الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنِهِما إنْ اللهُ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ قَسَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ النِساءَ تَقْسِيمًا عَقْلِيًّا، لِأنَّها إمّا طائِعَةٌ، وإمّا ناشِزَةٌ، والنَشَزُ: إمّا مَن يَرْجِعُ إلى الطَواعِيَةِ، وإمّا مَن يَحْتاجُ إلى الحَكَمَيْنِ. اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ أيْضًا في الخَوْفِ هاهُنا- حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، ولا يُبْعَثُ الحَكَمانِ إلّا مَعَ شِدَّةِ الخَوْفِ. والشِقاقُ: مَصْدَرُ شاقَّ يُشاقُّ، وأُجْرِيَ "البَيْنُ" مَجْرى الأسْماءِ، وأُزِيلَ عنهُ الظَرْفِيَّةُ إذْ هو بِمَعْنى: حالِهِما وعِشْرَتِهِما وصُحْبَتِهِما، وهَذا مِنَ الإيجازِ الَّذِي يَدُلُّ فِيهِ الظاهِرُ عَلى المُقَدَّرِ. واخْتُلِفَ مَنِ المَأْمُورُ بِالبَعْثَةِ؟ فَقِيلَ: الحاكِمُ، فَإذا أعْضَلَ عَلى الحاكِمِ أمْرُ الزَوْجَيْنِ، وتَعاضَدَتْ عِنْدَهُ الحُجَجُ، واقْتَرَنَتِ الشُبَهُ، واغْتَمَّ وجْهُ الإنْفاذِ عَلى أحَدِهِما بَعَثَ حَكَمَيْنِ مِنَ الأهْلِ لِيُباشِرا الأمْرَ، وخَصَّ الأهْلَ لِأنَّهم مَظِنَّةُ العِلْمِ بِباطِنِ الأمْرِ، ومَظِنَّةُ الإشْفاقِ بِسَبَبِ القَرابَةِ. وقِيلَ: المُخاطَبُ الزَوْجانِ، وإلَيْهِما تَقْدِيمُ الحَكَمَيْنِ، وهَذا في مَذْهَبِ مالِكٍ، والأوَّلُ لِرَبِيعَةَ وغَيْرِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في المِقْدارِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الحَكَمانِ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَنْظُرُ الحَكَمانِ إلّا فِيما وكَّلَهُما بِهِ الزَوْجانِ، وصَرَّحا بِتَقْدِيمِهِما عَلَيْهِ، تَرْجَمَ بِهَذا ثُمَّ أدْخَلَ عن عَلِيٍّ غَيْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في (p-٥٤٥)الإصْلاحِ، وفي الأخْذِ والإعْطاءِ، إلّا في الفُرْقَةِ، فَإنَّها لَيْسَتْ إلَيْهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَحْمِلانِ عَلى الظالِمِ، ويُمْضِيانِ ما رَأياهُ مِن بَقاءٍ أو فِراقٍ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ والجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في "المُدَوَّنَةِ" وغَيْرِها، وتَأوَّلَ الزَجّاجُ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّهُ وكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى الفُرْقَةِ، وأنَّها لِلْإمامِ، وذَلِكَ وهْمٌ مِن أبِي إسْحاقَ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "إنْ يُرِيدا إصْلاحًا"؟، فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ الحَكَمانِ، أيْ: إذا نَصَحا وقَصَدا الخَيْرَ بُورِكَ في وساطَتِهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ الزَوْجانِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ الضَمِيرُ في "بَيْنَهُما" يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِلزَّوْجَيْنِ. والِاتِّصافُ بِعَلِيمٍ خَبِيرٍ يُشْبِهُ ما ذَكَرَ مِن إرادَةِ الإصْلاحِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب