الباحث القرآني

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِساءَ والصِغارَ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم. وقالَ أكْثَرُ الناسِ: نَزَلَتْ في الأوصِياءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ما لَمْ يُبَحْ لَهم مِن مالِ اليَتِيمِ. وهي تَتَناوَلُ كُلَّ آكِلٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصِيًّا. وسُمِّيَ آخِذُ المالِ عَلى كُلِّ وُجُوهِهِ آكِلًا، لَمّا كانَ المَقْصُودُ هو الأكْلَ، وبِهِ أكْثَرُ الإتْلافِ لِلْأشْياءِ. وفي نَصِّهِ عَلى البُطُونِ مِنَ الفَصاحَةِ تَبْيِينُ نَقْصِهِمْ، والتَشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِضِدِّ مَكارِمِ الأخْلاقِ، مِنَ التَهافُتِ بِسَبَبِ البَطْنِ، وهو أنْقَصُ الأسْبابِ وألْأمُها حَتّى يَدْخُلُوا تَحْتَ الوَعِيدِ بِالنارِ. و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: ما جاوَزَ المَعْرُوفَ مَعَ فَقْرِ الوَصِيِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّهُ لَمّا يَؤُولُ أكْلُهم لِلْأمْوالِ إلى دُخُولِهِمُ النارَ قِيلَ: يَأْكُلُونَ النارَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هي حَقِيقَةٌ أنَّهم يُطْعَمُونَ النارَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثُ، مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا النَبِيُّ ﷺ عن لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قالَ: « "رَأيْتُ أقْوامًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ (p-٤٧٩)الإبِلِ، وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا.» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَسَيَصْلَوْنَ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، "وَسَيُصَلُّونَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، بِضَمِّ الياءِ واللامِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَسَيُصْلُونَ" بِضَمِّ الياءِ واللامِ، وهي ضَعِيفَةٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّهُ كَذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] وفي قَوْلِهِ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"،﴾ [الصافات: ١٦٣] والصَلا هو التَسَخُّنُ بِقُرْبِ النارِ أو بِمُباشَرَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: ؎ لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَـ ـهُ، وإنِّي بِحَرِّها اليَوْمَ صالِ والمُحْتَرِقُ الَّذِي يُذْهِبُهُ الحَرْقُ لَيْسَ بِصالٍ إلّا في بَدْءِ أمْرِهِ، وأهْلُ جَهَنَّمَ لا تُذْهِبُهم فَهم فِيها صالُونَ؛ والسَعِيرُ: الجَمْرُ المُشْتَعِلُ. وهَذِهِ آيَةٌ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والَّذِي يَعْتَقِدُهُ أهْلُ السُنَّةِ أنَّ ذَلِكَ نافِذٌ عَلى بَعْضِ العُصاةِ، لِئَلّا يَقَعَ الخَبَرُ بِخِلافِ مُخْبِرِهِ، ساقِطٌ بِالمَشِيئَةِ عن بَعْضِهِمْ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ في المَسْألَةِ: أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في الشَرِّ، هَذا عُرْفُهُما إذا أُطْلِقا، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوَعْدُ في الشَرِّ مُقَيَّدًا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها في التائِبِينَ والطائِعِينَ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ والعُصاةِ بِالكَبائِرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: وبِالصَغائِرِ، وقالَتِ المُرْجِئَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها فِيمَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الَّذِي هو التَصْدِيقُ، كانَ مَن كانَ مِن عاصٍ أو طائِعٍ. وقُلْنا أهْلَ (p-٤٨٠)السُنَّةِ والجَماعَةِ: آياتُ الوَعْدِ في المُؤْمِنِينَ الطائِعِينَ ومَن حازَتْهُ المَشِيئَةُ مِنَ العُصاةِ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ ومَن حازَهُ الإنْفاذُ مِنَ العُصاةِ، والآيَةُ الحاكِمَةُ بِما قُلْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَإنْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لِمَن يَشاءُ يَعْنِي التائِبِينَ، رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الفائِدَةَ في التَفْضِيلِ كانَتْ تَنْفَسِدُ، إذِ الشِرْكُ أيْضًا يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وهَذا قاطِعٌ بِحُكْمِ قَوْلِهِ: "لِمَن يَشاءُ" بِأنَّ ثَمَّ مَغْفُورًا لَهُ وغَيْرَ مَغْفُورٍ، واسْتَقامَ المَذْهَبُ السُنِّيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يُوصِيكُمُ" يَتَضَمَّنُ الفَرْضَ والوُجُوبَ، كَما تَتَضَمَّنُهُ لَفْظَةُ "أمَرَ" كَيْفَ تَصَرَّفَتْ، وأمّا صِيغَةُ الأمْرِ مِن غَيْرِ اللَفْظَةِ فَفِيها الخِلافُ الَّذِي سَيَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ، ونَحْوُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ بَناتِ سَعْدِ بْنِ الرَبِيعِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ بَناتِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ ثابِتٍ أخِي حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ، وقِيلَ: بِسَبَبِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، إذْ عادَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وذَكَرَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ إلّا مَن لاقى الحُرُوبَ وقاتَلَ العَدُوَّ، فَنَزَلَتِ الآياتُ تَبْيِينًا أنَّ لِكُلِّ أُنْثى وصَغِيرٍ حَظَّهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نُزُولَ ذَلِكَ كانَ مِن أجْلِ أنَّ المالَ كانَ لِلْوَلَدِ، والوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآياتِ. و"مِثْلُ" مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ أو بِالصِفَةِ، تَقْدِيرُهُ: حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ. وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أولادِكم أنَّ لِلذَّكَرِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً﴾.... الآيَةُ. الأولادُ لَفْظٌ يَجْمَعُ الذُكْرانَ والإناثَ، فَلَمّا أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَخُصَّ الإناثَ بِذِكْرِ حُكْمِهِنَّ أنَّثَ الفِعْلَ لِلْمَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ لَفْظَ الأولادِ لَقالَ: كانُوا، واسْمُ كانَ مُضْمَرٌ، وقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ: تَقْدِيرُهُ: وإنْ كُنَّ المَتْرُوكاتُ نِساءً. وقَوْلُهُ: "فَوْقَ اثْنَتَيْنِ" مَعْناهُ: اثْنَتَيْنِ فَما فَوْقَهُما، تَقْتَضِي ذَلِكَ قُوَّةُ الكَلامِ، وأمّا الوُقُوفُ مَعَ اللَفْظِ فَيَسْقُطُ مَعَهُ النَصُّ عَلى الِاثْنَتَيْنِ، ويَثْبُتُ الثُلُثانِ لَهُما بِالإجْماعِ الَّذِي (p-٤٨١)مَرَّتْ عَلَيْهِ الأمْصارُ والأعْصارُ، ولَمْ يُحْفَظْ فِيهِ خِلافٌ، إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَرى لَهُما النِصْفَ. ويَثْبُتُ أيْضًا ذَلِكَ لَهُما بِالقِياسِ عَلى الأُخْتَيْنِ المَنصُوصِ عَلَيْهِما ويَثْبُتُ ذَلِكَ لَهُما بِالحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ التِرْمِذِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضى لِلِابْنَتَيْنِ بِالثُلُثَيْنِ،» ومَن قالَ: "فَوْقَ" زائِدَةٌ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَوْقَ الأعْناقِ" يُرِيدُ: اضْرِبُوا مِنهُمُ الأعْناقَ، فَقَوْلُهُ خَطَأٌ لِأنَّ الظُرُوفَ وجَمِيعَ الأسْماءِ يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُرادَ لِغَيْرِ مَعْنىً، ولِأنَّ قَوْلَهُ: "فَوْقَ الأعْناقِ" هو الفَصِيحُ، ولَيْسَتْ "فَوْقَ" زائِدَةً بَلْ هي مُحْكَمَةُ المَعْنى لِأنَّ ضَرْبَةَ العُنُقِ إنَّما يَجِبُ أنْ تَكُونَ فَوْقَ العِظامِ في المِفْصَلِ دُونَ الدِماغِ، كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ: "اخْفِضْ عَنِ الدِماغِ وارْفَعْ عَنِ العَظْمِ، فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ". وقَدِ احْتُجَّ لِأخْذِهِما الثُلُثَيْنِ بِغَيْرِ هَذا، وكُلُّهُ مُعارَضٌ، قالَ إسْماعِيلُ القاضِي: إذا كانَتِ البِنْتُ تَأْخُذُ مَعَ أخِيها الثُلُثَ إذا انْفَرَدَ، فَأحْرى أنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ مَعَ أُخْتِها؛ قالَ غَيْرُهُ: وكَما كانَ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما مِنَ الإخْوَةِ لِلْأُمِّ واحِدًا، فَكَذَلِكَ البَناتُ. وقالَ النَحّاسُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ: الثُلُثُ والرُبُعُ إلى العُشُرِ، وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِإسْكانِ الأوسَطِ، وقَرَأهُ الأعْرَجُ. ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّها لُغَةٌ واحِدَةٌ، وأنَّ سُكُونَ العَيْنِ تَخْفِيفٌ. وإذا أخَذَ بَناتُ الصُلْبِ الثُلُثَيْنِ، فَلا شَيْءَ بَعْدَ ذَلِكَ لِبَناتِ الِابْنِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أخٌ لَهُنَّ، أوِ ابْنُ أخٍ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِنَّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لا يَرى لَهُنَّ شَيْئًا وإنْ كانَ الأخُ أوِ ابْنُ الأخِ، ويَرى المالَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ وحْدَهُ دُونَهُنَّ. *** قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِصْفُ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَيْنٍ﴾ قَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ "واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ "كانَ"؛ وقَرَأ نافِعٌ: "واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّ كانَ بِمَعْنى وقَعَ وحَضَرَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "النُصْفُ" بِضَمِّ النُونِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ. (p-٤٨٢)وَقَوْلُهُ: "وَلَدٌ" يُرِيدُ ذَكَرًا أو أُنْثى، واحِدًا أو جَماعَةً، لِلصُّلْبِ أو لِوَلَدٍ ذَكَرٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كَيْفَ وقَعَ يَجْعَلُ فَرْضَ الأبِ السُدُسَ، وإنْ أخَذَ النِصْفَ في مِيراثِهِ فَإنَّما يَأْخُذُهُ بِالتَعْصِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ﴾... الآيَةُ، المَعْنى: فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، ولا ولَدُ ولَدٍ، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثى. وقَوْلُهُ: ﴿وَوَرِثَهُ أبَواهُ﴾ تَقْتَضِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُما مُنْفَرِدانِ عن جَمِيعِ أهْلِ السِهامِ مِن ولَدٍ وغَيْرِهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: "وَوَرِثَهُ" حُكْمًا لَهُما بِالمالِ، فَإذا ذُكِرَ وحْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَصِيبُ أحَدِهِما أخَذَ النَصِيبَ الآخَرَ، كَما تَقُولُ لِرَجُلَيْنِ: هَذا المالُ بَيْنَكُما، ثُمَّ تَقُولُ لِأحَدِهِما، أنْتَ يا فُلانُ لَكَ مِنهُ الثُلُثُ، فَقَدْ حَدَّدْتَ لِلْآخَرِ مِنهُ الثُلُثَيْنِ بِنَصِّ كَلامِكَ. وعَلى أنَّ فَرِيضَتَهُما خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ يَجِيءُ قَوْلُ أكْثَرِ الناسِ: إنَّ لِلْأُمِّ مَعَ الِانْفِرادِ الثُلُثَ مِنَ المالِ كُلِّهِ، فَإنْ كانَ مَعَهُما زَوْجٌ كانَ لِلْأُمِّ السُدُسُ، وهو الثُلُثُ بِالإضافَةِ إلى الأبِ. وعَلى أنَّ الفَرِيضَةَ خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ فَقَطْ يَجِيءُ قَوْلُ شُرَيْحٍ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ الفَرِيضَةَ إذا خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ أخَذَتِ الأُمُّ الثُلُثَ مِنَ المالِ كُلِّهِ مَعَ الزَوْجِ، وكانَ ما بَقِيَ لِلْأبِ، ويَجِيءُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "وَوَرِثَهُ أبَواهُ". مُنْفَرِدَيْنِ أو مَعَ غَيْرِهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: فَلِإمِّهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ كَسَرَ الهَمْزَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الزمر: ٦]، "وَفِي إمِّها" و"فِي إمِّ الكِتابِ"، وهَذا كُلُّهُ إذا وصَلا إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ أوِ الياءِ الَّتِي قَبْلَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الباقُونَ كُلَّ هَذا بِضَمٍّ لِلْهَمْزَةِ، وكَسَرَ حَمْزَةُ المِيمَ مِن "إمِّهاتِكُمْ" إتْباعًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ومَتى لَمْ يَكُنْ وصْلٌ وياءٌ أو كَسْرَةٌ فالضَمُّ بِاتِّفاقٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ﴾ الإخْوَةُ يَحُطُّونَ الأُمَّ إلى السُدُسِ ولا يَأْخُذُونَهُ، أشِقّاءَ كانُوا أو لِلْأبِ أو لِلْأُمِّ، وقالَ مَن لا يُعَدُّ قَوْلُهُ إلّا في الشُذُوذِ: إنَّهم يَحُطُّونَ ويَأْخُذُونَ ما يَحُطُّونَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ الأبِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ (p-٤٨٣)خِلافُهُ مِثْلُ قَوْلِ السُدُسِ الَّذِي يَحْجُبُونَ الأُمَّ عنهُ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما أخَذَهُ الأبُ دُونَهُمْ، لِأنَّهُ يَمُونُهُمْ، ويَلِي نِكاحَهُمْ، والنَفَقَةَ عَلَيْهِمْ، هَذا في الأغْلَبِ، ومُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أخَوَيْنِ فَصاعِدًا يَحْجُبُونَ الأُمَّ عنهُ، إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأخَوَيْنِ في حُكْمِ الواحِدِ، ولا يَحْجُبُ الأُمَّ أقَلُّ مِن ثَلاثَةٍ. واسْتَدَلَّ الجَمِيعُ بِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، لِأنَّ التَثْنِيَةَ جَمْعُ شَيْءٍ إلى مِثْلِهِ، فالمَعْنى يَقْتَضِي أنَّها جَمْعٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِلَفْظِ الجَمْعِ وهي تُرِيدُ التَثْنِيَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وكَقَوْلِهِ في آيَةِ الخَصْمِ: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] ﴿إذْ دَخَلُوا﴾ [الحجر: ٥٢] وكَقَوْلِهِ: "وَأطْرافَ النَهارِ" واحْتَجُّوا بِهَذا كُلِّهِ في أنَّ الإخْوَةَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الأخَوانِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها لا حُجَّةَ فِيها عِنْدِي عَلى هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ في كُلِّ آيَةٍ مِنها بِالنَصِّ أنَّ المُرادَ اثْنانِ، فَساغَ التَجَوُّزُ بِأنْ يُؤْتى بِلَفْظِ الجَمْعِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذْ مَعَكَ في الأُولى "يَحْكُمانِ"، وفي الثانِيَةِ "إنَّ هَذا أخِي"، وأيْضًا فالحُكْمُ قَدْ يُضافُ إلى الحاكِمِ والخُصُومِ، وقَدْ يَتَسَوَّرُ مَعَ الخَصْمِ غَيْرُهُما فَهم جَماعَةٌ، وأمّا "النَهارُ" في الآيَةِ الثالِثَةِ فالألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ فَإنَّما أرادَ طَرَفَيْ كُلِّ يَوْمٍ، وأمّا إذا ورَدَ لَفْظُ الجَمْعِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ ما يُبَيِّنُ المُرادَ فَإنَّما يُحْمَلُ عَلى الجَمْعِ، ولا يُحْمَلُ عَلى التَثْنِيَةِ، لِأنَّ اللَفْظَ مالِكٌ لِلْمَعْنى، ولِلْبِنْيَةِ حَقٌّ. وذَكَرَ بَعْضُ مَنِ احْتَجَّ لِقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بِناءَ التَثْنِيَةِ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ والعَدَدِ كَبِناءِ الإفْرادِ، وبِناءَ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ ولا يَدُلُّ عَلى العَدَدِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَدْخُلَ هَذا عَلى هَذا. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يُوَصّى" (p-٤٨٤)بِفَتْحِ الصادِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّ هَذا في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ في الأُولى بِالفَتْحِ، وفي الثانِيَةِ بِالكَسْرِ. وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما قُصِدَ بِها تَقْدِيمُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ عَلى المِيراثِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِها تَرْتِيبُهُما في أنْفُسِهِما، ولِذَلِكَ تَقَدَّمَتِ الوَصِيَّةُ في اللَفْظِ، والدَيْنُ مُقَدَّمٌ عَلى الوَصِيَّةِ بِإجْماعٍ، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّهُ قَدَّمَ الوَصِيَّةَ إذْ هي أقَلُّ لُزُومًا مِنَ الدَيْنِ، اهْتِمامًا بِها ونَدْبًا إلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]، وأيْضًا قَدَّمَها مِن جِهَةِ أنَّها مُضَمِّنَها الوَصِيَّةَ الَّتِي هي كاللازِمِ يَكُونُ لِكُلِّ مَيِّتٍ، إذْ قَدْ حَضَّ الشَرْعُ عَلَيْها، وأخَّرَ الدَيْنَ لِشُذُوذِهِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ ولا يَكُونُ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، ثُمَّ عَطَفَ بِالَّذِي قَدْ يَقَعُ أحْيانًا، ويُقَوِّي هَذا كَوْنُ العَطْفِ بِأو، ولَوْ كانَ الدَيْنُ راتِبًا لَكانَ العَطْفُ بِالواوِ، وقُدِّمَتِ الوَصِيَّةُ أيْضًا إذْ هي حَظُّ مَساكِينٍ وضِعافٍ، وأُخِّرَ الدَيْنُ إذْ هو حَظُّ غَرِيمٍ يَطْلُبُهُ بِقُوَّةٍ، وهو صاحِبُ حَقٍّ لَهُ فِيهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا".» وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ، واسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنهم ألّا يَبْلُغُ الثُلُثَ، وأنْ يَغُضَّ الناسُ إلى الرُبُعِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب