الباحث القرآني

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ﴾ لَمّا مَضَتِ الضَمائِرُ في الكُفْرِ والقَتْلِ والعِصْيانِ والِاعْتِداءِ عامَّةً في جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ، عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الَّذِينَ هم عَلى خَيْرٍ وإيمانٍ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن هو عَلى اسْتِقامَةٍ، فَمِنهم مَن ماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ الشَرائِعَ فَذَلِكَ مِنَ الصالِحِينَ، ومِنهم مَن أدْرَكَ الإسْلامَ فَدَخَلَ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَعْتَرِضُ هَذا النَظَرَ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ عَلى عِوَجٍ مِن وقْتِ عِيسى، وتَجِيءُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَن أسْلَمَ فَقَطْ، أو يَكُونُ اليَهُودُ في مَعْنى الأُمَّةِ القائِمَةِ إلى وقْتِ عِيسى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحُكْمُ في النَصارى، ولَفْظُ "أهْلِ الكِتابِ" يَعُمُّ الجَمِيعَ، والضَمِيرُ في "لَيْسُوا" لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن (p-٣٢٣)أنَّ الآيَةَ نَظِيرَةُ قَوْلِ العَرَبِ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ" خَطَأٌ مَرْدُودٌ، وكَذَلِكَ أيْضًا ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ "أُمَّةٌ" مُرْتَفِعَةٌ بِـ "سَواءً" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ كَأنَّهُ قالَ: لا تَسْتَوِي أُمَّةُ كَذا، وأنَّ في آخِرِ الكَلامِ مَحْذُوفًا مُعادِلًا تَقْدِيرُهُ: وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَأغْنى القِسْمُ الأوَّلُ عن ذِكْرِها ودَلَّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟ المَعْنى: أمْ غَيٌّ، فاقْتَصَرَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الوَجْهُ أنَّ الضَمِيرَ في "لَيْسُوا" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، و"سَواءً" خَبَرُ لَيْسَ، و﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ مَجْرُورٌ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أُمَّةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ (p-٣٢٤)سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ، مَعَهُمْ: قالَ الكُفّارُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ: "لَيْسُوا سَواءً".... الآيَةَ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ أصَحُّ التَأْوِيلاتِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ اليَهُودُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَواءً، وقالَهُ السُدِّيُّ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وذِكْرُ أيْضًا اليَهُودِ قالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: "لَيْسُوا سَواءً"، والكِتابُ عَلى هَذا جِنْسُ كُتُبِ اللهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ وهم أهْلُ القُرْآنِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ. واخْتَلَفَ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ "قائِمَةٌ" فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: عادِلَةٌ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللهِ وحُدُودِهِ مُهْتَدِيَةٌ، وقالَ السُدِّيُّ: القانِتَةُ المُطِيعَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ مِنَ الاعْتِدالِ عَلى أمْرِ اللهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّنانِيرِ أوِ الدَراهِمِ الوازِنَةِ قائِمَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى وأنْ لا تُنْظَرَ اللَفْظَةُ إلى هَيْئَةِ الأشْخاصِ وقْتَ تِلاوَةِ آياتِ اللهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "قائِمَةٌ" وصْفُ حالِ التالِينَ في آناءِ اللَيْلِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ مُعْتَدِلٌ عَلى أمْرِ اللهِ. وهَذِهِ الآيَةُ في هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. و"يَتْلُونَ" مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ، و"آياتِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ هِيَ: كُتُبُهُ، والآناءُ: الساعاتُ، واحِدُها إنْيٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ. ويُقالُ فِيهِ أنْيٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، (p-٣٢٥)وَيُقالُ إنى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُونِ والقَصْرِ، ويُقالُ فِيهِ: أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إنْوُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ وبِواوٍ مَضْمُومَةٍ. ومِنهُ قَوْلُ الهُذَيْلِيِّ: ؎ حُلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ في كُلِّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّفِقُ في شَخْصٍ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ يُصَلِّي جَمِيعَ ساعاتِ اللَيْلِ، وإنَّما يَقُومُ هَذا الحُكْمُ مِن جَماعَةِ الأُمَّةِ، إذْ بَعْضُ الناسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ عِبارَةُ آناءَ اللَيْلِ بِالقِيامِ، وهَكَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَرَفَ الناسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُلُثِ الآخِرِ مِنَ اللَيْلِ أو قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وحِينَئِذٍ كانَ يَقُومُ الأكْثَرُ، والقِيامُ طُولَ اللَيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى القَصْدَ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وقِيامُ اللَيْلِ لِقِراءَةِ العِلْمِ المُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللهِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أفْضَلُ مِنَ التَنَفُّلِ لِمَن يُرْجى انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ. وأمّا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في "آناءَ اللَيْلِ"، فَقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْنا العَرَبَ تَقُولُ: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ السُدِّيُّ: آناءَ اللَيْلِ: جَوْفُ اللَيْلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ. أما إنَّ جَوْفَ اللَيْلِ جُزْءٌ مِنَ الآناءِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ احْتَبَسَ عَنّا لَيْلَةً عن صَلاةِ العَتَمَةِ وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى لَيْلٌ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ: "أبْشِرُوا فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَلاةَ" (p-٣٢٦)، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾.... الآيَةَ،» فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ﴾ صَلاةُ العِشاءِ. ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُصَلِّينَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ السُجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، سَمّاها بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنها كَما تُسَمّى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ رُكُوعًا، فَهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ مُصَلِّينَ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عنهم أنَّهم أيْضًا أهْلُ سُجُودٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ التِلاوَةَ آناءَ اللَيْلِ قَدْ يَعْتَقِدُ السامِعُ أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الصَلاةِ، وأيْضًا فالقِيامُ في قِراءَةِ العِلْمِ يَخْرُجُ مِنَ الآيَةِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ويَثْبُتُ فِيها عَلى هَذا الثانِي، فَـ "هم يَسْجُدُونَ" عَلى هَذا نَعْتُ عَدَدٍ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. و"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالأنْبِياءِ. لِأنَّهُ مِن جائِزاتِ العَقْلِ الَّتِي أثْبَتَها السَمْعُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وصْفٌ بِأنَّهم مَتى دُعُوا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ وجَبْرِ مَهِيضٍ وعِبادَةِ اللهِ أجابُوا، ومِنهُ فِعْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ، وقالَ: دَعَوْتَنِي إلى خَيْرٍ فَأجَبْتُ إلَيْهِ. ومِمّا يَدْخُلُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُغْتَنِمًا لِلْخَمْسِ قَبْلَ الخَمْسِ كَما قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَماتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"،» فَيَكُونُ مَتى أرادَ (p-٣٢٧)أنْ يَصْنَعَ خَيْرًا بادَرَ إلَيْهِ ولَمْ يُسَوِّفْ نَفْسَهُ بِالأمَلِ، فَهَذِهِ أيْضًا مُسارَعَةٌ في الخَيْراتِ. وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ بَعْضِ الصالِحِينَ في مَرْكَبٍ فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ أصْلَحَكَ اللهُ في الصَوْمِ في السَفَرِ؟ فَقالَ لِي: إنَّها المُبادَرَةُ يا ابْنَ أخِي، قالَ المُحَدِّثُ: فَجاءَنِي واللهِ بِجَوابٍ لَيْسَ مِن أجْوِبَةِ الفُقَهاءِ. ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى مَن تَحَصَّلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ، و"مِنَ" يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب