الباحث القرآني

[تَفْضِيلُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ] وَمِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في " السُّنَنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ». وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ أفْضَلُ مِنهُ، وهَذا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، قالُوا: لِأنَّهُ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، وصِيامُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وما مِن يَوْمٍ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقابَ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْنُو فِيهِ مِن عِبادِهِ، ثُمَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ بِأهْلِ المَوْقِفِ. والصَّوابُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ لا يُعارِضُهُ شَيْءٌ يُقاوِمُهُ، والصَّوابُ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ هو يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ أبا بكر وعليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أذَّنا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَوْمَ عَرَفَةَ. وَفِي " سُنَنِ أبي داود " بِأصَحِّ إسْنادٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ» وَكَذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ويَوْمُ عَرَفَةَ مُقَدِّمَةٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ يَكُونُ الوُقُوفُ والتَّضَرُّعُ والتَّوْبَةُ والِابْتِهالُ والِاسْتِقالَةُ، ثُمَّ يَوْمُ النَّحْرِ تَكُونُ الوِفادَةُ والزِّيارَةُ، ولِهَذا سُمِّيَ طَوافُهُ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ طَهُرُوا مِن ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أذِنَ لَهم رَبُّهم يَوْمَ النَّحْرِ في زِيارَتِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ إلى بَيْتِهِ، ولِهَذا كانَ فِيهِ ذَبْحُ القَرابِينِ، وحَلْقُ الرُّءُوسِ، ورَمْيُ الجِمارِ، ومُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ، وعَمَلُ يَوْمِ عَرَفَةَ كالطُّهُورِ والِاغْتِسالِ بَيْنَ يَدَيْ هَذا اليَوْمِ. وكَذَلِكَ تَفْضِيلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَإنَّ أيّامَهُ أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن هَذِهِ الأيّامِ العَشْرِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ» وَهِيَ الأيّامُ العَشْرُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ - ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ وَلِهَذا يُسْتَحَبُّ فِيها الإكْثارُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ»، ونِسْبَتُها إلى الأيّامِ كَنِسْبَةِ مَواضِعِ المَناسِكِ في سائِرِ البِقاعِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب