الباحث القرآني

الجِزْيَةُ هي الخَراجُ المَضْرُوبُ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ إذْلالًا وصَغارًا والمَعْنى: حَتّى يُعْطُوا الخَراجَ عَنْ رِقابِهِمْ. واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِها، فَقالَ القاضِي في " الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ ": اسْمُها مُشْتَقٌّ مِنَ الجَزاءِ إمّا جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ لِأخْذِها مِنهم صَغارًا، أوْ جَزاءً عَلى أمانِنا لَهم لِأخْذِها مِنهم رِفْقًا. قالَ صاحِبُ " المُغْنِي ": هي مُشْتَقَّةٌ مِن جَزاهُ بِمَعْنى قَضاهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، فَتَكُونُ الجِزْيَةُ مِثْلَ الفِدْيَةِ. قالَ شَيْخُنا: والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذا يَرْجِعُ إلى أنَّها عُقُوبَةٌ أوْ أُجْرَةٌ. وَأمّا قَوْلُهُ: عَنْ يَدٍ، فَهو في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ: أيْ يُعْطُوها أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ هَذا هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْنى مِن يَدٍ إلى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن يَدِهِ إلى يَدِ الآخِذِ لا باعِثًا بِها ولا مُوَكِّلًا في دَفْعِها. وَقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناهُ عَنْ إنْعامٍ مِنكم عَلَيْهِمْ بِإقْرارِكم لَهم وبِالقَبُولِ مِنهُمْ، والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ وعَلَيْهِ النّاسُ. وَأبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ ولَمْ يُصِبْ مُرادَ اللَّهِ مَن قالَ: المَعْنى: عَنْ يَدٍ مِنهُمْ، أيْ عَنْ قُدْرَةٍ عَلى أدائِها فَلا تُؤْخَذُ مِن عاجِزٍ عَنْها، وهَذا الحُكْمُ صَحِيحٌ وحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ باطِلٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ ولا التّابِعَيْنِ ولا سَلَفِ الأُمَّةِ وإنَّما هو مِن حَذاقَةِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، حالٌ أُخْرى، فالأوَّلُ حالُ المُسْلِمِينَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، أنْ يَأْخُذُوها بِقَهْرٍ وعَنْ يَدٍ، والثّانِي حالُ الدّافِعِ لَها أنْ يَدْفَعَها وهو صاغِرٌ ذَلِيلٌ. واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ (الصَّغارِ) الَّذِي يَكُونُونَ عَلَيْهِ وقْتَ أداءِ الجِزْيَةِ فَقالَ عِكْرِمَةُ: أنْ يَدْفَعَها وهو قائِمٌ، ويَكُونَ الآخِذُ جالِسًا. وَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا لا راكِبًا، ويُطالَ وُقُوفُهُ عِنْدَ إتْيانِهِ بِها ويُجَرَّ إلى المَوْضِعِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنهُ بِالعُنْفِ ثُمَّ تُجَرَّ يَدُهُ ويُمْتَهَنَ. وَهَذا كُلُّهُ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا هو مُقْتَضى الآيَةِ ولا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ. والصَّوابُ في الآيَةِ أنَّ الصَّغارَ هو التِزامُهم لِجَرَيانِ أحْكامِ المِلَّةِ عَلَيْهِمْ، وإعْطاءِ الجِزْيَةِ فَإنَّ التِزامَ ذَلِكَ هو الصَّغارُ. وَقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: كانُوا يُجَرُّونَ في أيْدِيهِمْ ويُخْتَمُونَ في أعْناقِهِمْ إذا لَمْ يُؤَدُّوا الصَّغارَ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا بَذَلَ ما عَلَيْهِ والتَزَمَ الصَّغارَ لَمْ يُحْتَجْ إلى أنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ ويُضْرَبَ. وَقَدْ قالَ في رِوايَةِ مُهَنّا بْنُ يَحْيى: يُسْتَحَبُّ أنْ يُتْعَبُوا في الجِزْيَةِ. قالَ القاضِي: ولَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهم ولا تَكْلِيفَهم فَوْقَ طاقَتِهِمْ وإنَّما أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِهِمْ وإذْلالَهم. قُلْتُ: لَمّا كانَتْ يَدُ المُعْطِي العُلْيا، ويَدُ الآخِذِ السُّفْلى احْتَرَزَ الأئِمَّةُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الجِزْيَةِ، وأخَذُوها عَلى وجْهٍ تَكُونُ يَدُ المُعْطِي السُّفْلى ويَدُ الآخِذِ العُلْيا. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ النَّصارى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أعْمالَ السُّلْطانِ ويَظْهَرُ مِنهُمُ الظُّلْمُ والِاسْتِعْلاءُ عَلى المُسْلِمِينَ وأخْذُ الضَّرائِبِ لا ذِمَّةَ لَهم وأنَّ دِماءَهم مُباحَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذُّلِّ. وَهَذا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ القاضِي مِن أصَحِّ الِاسْتِنْباطِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَّ القِتالَ إلى غايَةٍ وهي إعْطاءُ الجِزْيَةِ مَعَ الصَّغارِ، فَإذا كانَتْ حالَةُ النَّصْرانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ الجِزْيَةِ مُنافِيَةً لِلذُّلِّ والصَّغارِ فَلا عِصْمَةَ لِدَمِهِ ولا مالِهِ ولَيْسَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، ومِن هاهُنا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الشُّرُوطَ الَّتِي فِيها صَغارُهم وإذْلالُهُمْ، وأنَّهم مَتى خَرَجُوا عَنْ شَيْءٍ مِنها فَلا عَهْدَ لَهم ولا ذِمَّةَ، وقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنهم ما يَحِلُّ مِن أهْلِ الشِّقاقِ والمُعانَدَةِ. * [فَصْلٌ لَيْسَتِ الجِزْيَةُ أُجْرَةً عَنْ سُكْنى الدّارِ] ٤ - فَصْلٌ [لَيْسَتِ الجِزْيَةُ أُجْرَةً عَنْ سُكْنى الدّارِ] قَدْ تَبَيَّنَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الجِزْيَةَ وُضِعَتْ صَغارًا وإذْلالًا لِلْكُفّارِ لا أُجْرَةً عَنْ سُكْنى الدّارِ، وذَكَرْنا أنَّها لَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَوَجَبَتْ عَلى النِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى والعُمْيانِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَما أنِفَتْ مِنها العَرَبُ مِن نَصارى بَنِي تَغْلِبَ وغَيْرِهِمْ والتَزَمُوا ضِعْفَ ما يُؤْخَذُ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن زَكاةِ أمْوالِهِمْ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَكانَتْ مُقَدَّرَةَ المُدَّةِ كَسائِرِ الإجاراتِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَما وجَبَتْ بِوَصْفِ الإذْلالِ والصَّغارِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَكانَتْ مُقَدَّرَةً بِحَسَبِ المَنفَعَةِ، فَإنَّ سُكْنى الدّارِ قَدْ تُساوِي في السَّنَةِ أضْعافَ الجِزْيَةِ المُقَدَّرَةِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَما وجَبَتْ عَلى الذِّمِّيِّ أُجْرَةُ دارٍ أوْ أرْضٍ يَسْكُنُها إذا اسْتَأْجَرَها مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَكانَ الواجِبُ فِيها ما يَتَّفِقُ عَلَيْهِ المُؤَجِّرُ والمُسْتَأْجِرُ. وَبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ هَذا القَوْلِ يُعْلَمُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. * [فَصْلٌ لا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ ولا امْرَأةٍ ولا مَجْنُونٍ] ٨ - فَصْلٌ وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ ولا امْرَأةٍ ولا مَجْنُونٍ. هَذا مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وأتْباعِهِمْ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلافَهم. وَقالَ أبُو مُحَمَّدٍ في " المُغْنِي ": " لا نَعْلَمُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في هَذا ". قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ، ثَنا أيُّوبُ عَنْ نافِعٍ عَنْ أسْلَمَ مَوْلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَهُمْ، ولا يَقْتُلُوا النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ، ولا يَقْتُلُوا إلّا مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المَواسِي. [وَكَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ: أنْ يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا يَضْرِبُوها عَلى النِّساءِ والصِّبْيانِ ولا يَضْرِبُوها إلّا عَلى مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المَواسِي]. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مَن أنْبَتَ. وَهَذا الحَدِيثُ هو الأصْلُ فِيمَن تَجِبُ عَلَيْهِ الجِزْيَةُ ومَن لا تَجِبُ عَلَيْهِ، ألا تَراهُ إنَّما جَعَلَها عَلى الذُّكُورِ المَذْكُورِينَ دُونَ الإناثِ والأطْفالِ، وأسْقَطَها عَمَّنْ لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ وهُمُ الذُّرِّيَّةُ. * [فصل: مِمَّنْ تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ] فَأجْمَعَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المَجُوسِ. وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ تَوَقَّفَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ. وَذَكَرَ الشّافِعِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ذَكَرَ المَجُوسَ فَقالَ: ما أدْرِي كَيْفَ أصْنَعُ في أمْرِهِمْ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» " وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾، فاللَّهُ سُبْحانَهُ حَكى هَذا عَنْهُمْ، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُكَذِّبْهم فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: فالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْها مِن أحَدٍ مِن عُبّادِ الأوْثانِ مَعَ كَثْرَةِ قِتالِهِ لَهم. قِيلَ: أجَلْ وذَلِكَ لِأنَّ آيَةَ الجِزْيَةِ إنَّما نَزَلَتْ عامَ " تَبُوكَ " في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَتْ جَزِيرَةُ العَرَبِ ولَمْ يَبْقَ بِها أحَدٌ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الجِزْيَةِ أخَذَها النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ مِنَ النَّصارى والمَجُوسِ ولِهَذا لَمْ يَأْخُذْها مِن يَهُودِ المَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ ولا مِن يَهُودِ خَيْبَرَ لِأنَّهُ صالَحَهم قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الجِزْيَةِ. [ادِّعاءُ يَهُودِ خَيْبَرَ إسْقاطَ الجِزْيَةِ عَنْهم ورَدُّ ذَلِكَ] وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي الَّتِي أوْقَعَتْ عِنْدَ اليَهُودِ أنَّ أهْلَ خَيْبَرَ لا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ مِن جُمْلَةِ اليَهُودِ، ثُمَّ أكَّدُوا أمْرَها بِأنْ زَوَّرُوا كِتابًا فِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْقَطَ عَنْهُمُ الكُلَفَ والسُّخَرَ والجِزْيَةَ ووَضَعُوا فِيهِ شَهادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ وغَيْرِهِما، وهَذا الكِتابُ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ مِن عَشَرَةِ أوْجُهٍ: مِنها: أنَّ أحَدًا مِن عُلَماءِ النَّقْلِ والسِّيَرِ والمَغازِي لَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ ألْبَتَّةَ مَعَ عِنايَتِهِمْ بِضَبْطِ ما هو دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. الثّانِي: أنَّ الجِزْيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فَحِينَ صالَحَ أهْلَ خَيْبَرَ لَمْ تَكُنِ الجِزْيَةُ نَزَلَتْ حَتّى يَضَعَها عَنْهم. الثّالِثُ: أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ لَمْ يَكُنْ أسْلَمَ بَعْدُ فَإنَّهُ إنَّما أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ. الرّابِعُ: أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ تُوُفِّيَ عامَ الخَنْدَقِ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ. الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ كُلَفٌ ولا سُخَرٌ حَتّى تُوضَعَ عَنْهم. السّادِسُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأهْلِ خَيْبَرَ مِنَ الحُرْمَةِ ورِعايَةِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ ما يَقْتَضِي وضْعَ الجِزْيَةِ عَنْهُمْ، وقَدْ كانُوا مِن أشَدِّ الكُفّارِ عَداوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ فَأيُّ خَيْرٍ حَصَلَ بِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَتّى تُوضَعَ عَنْهُمُ الجِزْيَةُ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ؟ السّابِعُ: أنَّ الكِتابَ الَّذِي أظْهَرُوهُ ادَّعَوْا أنَّهُ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَذا كَذِبٌ قَطْعًا وعَداوَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِ مَعْرُوفَةٌ، وهو الَّذِي قَتَلَ " مَرْحَبًا " اليَهُودِيَّ وأثْخَنَ في اليَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتّى كانَ الفَتْحُ عَلى يَدَيْهِ. الثّامِنُ: أنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا مِن رِوايَةِ اليَهُودِ وهُمُ القَوْمُ البُهُتُ، أكْذَبُ الخُلْقِ عَلى اللَّهِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَكَيْفَ يُصَدَّقُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما يُخالِفُ كِتابَ اللَّهِ تَعالى؟! التّاسِعُ: أنَّ هَذا الكِتابَ لَوْ كانَ صَحِيحًا لَأظْهَرُوهُ في أيّامِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وفي أيّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وفي أيّامِ المَنصُورِ والرَّشِيدِ، وكانَ أئِمَّةُ الإسْلامِ يَسْتَثْنُونَهم مِمَّنْ تُوضَعُ عَنْهُمُ الجِزْيَةُ أوْ لَذَكَرَ ذَلِكَ فَقِيهٌ واحِدٌ مِن فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ، ولا يَجُوزُ عَلى الأُمَّةِ أنْ تُجْمِعَ عَلى مُخالَفَةِ سُنَّةِ نَبِيِّها، وكَيْفَ يَكُونُ بِأيْدِي أعْداءِ اللَّهِ كِتابٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَحْتَجُّونَ بِهِ كُلَّ وقْتٍ عَلى مَن يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِنهُمْ، ولا يَذْكُرُهُ عالِمٌ واحِدٌ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ؟ وإنِ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالسِّيرَةِ والمَنقُولِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، شَنَّعَ عَلَيْهِ أصْحابُهُ وبَيَّنُوا خَطَأهُ وحَذَّرُوا مِن سَقْطَتِهِ. العاشِرُ: أنَّ أئِمَّةَ الحَدِيثِ والنَّقْلِ يَشْهَدُونَ بِبُطْلانِ هَذا الكِتابِ، وأنَّهُ زُورٌ مُفْتَعَلٌ وكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ، ولَمّا أظْهَرَهُ اليَهُودُ بَعْدَ الأرْبَعِ مِائَةٍ عَلى عَهْدِ الحافِظِ أبِي بَكْرٍ الخَطِيبِ البَغْدادِيِّ أرْسَلَ إلَيْهِ الوَزِيرُ ابْنُ المُسْلِمَةِ فَأوْقَفَهُ عَلَيْهِ فَقالَ الحافِظُ: هَذا الكِتابُ زُورٌ فَقالَ لَهُ الوَزِيرُ: مِن أيْنَ هَذا؟ فَقالَ: فِيهِ شَهادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ وسَعْدٌ ماتَ يَوْمَ الخَنْدَقِ قَبْلَ خَيْبَرَ، ومُعاوِيَةُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمانٍ، وخَيْبَرُ كانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ. فَأعْجَبَ ذَلِكَ الوَزِيرَ. والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذِ الجِزْيَةَ مِن أحَدٍ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ آيَةَ الجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ عامِ تَبُوكَ، وكانَتْ عُبّادُ الأصْنامِ مِنَ العَرَبِ كُلُّهم قَدْ دَخَلُوا في الإسْلامِ فَأخَذَها النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ مِنَ اليَهُودِ ومِنَ النَّصارى ومِنَ المَجُوسِ. قالَ المُخَصِّصُونَ بِالجِزْيَةِ لِأهْلِ الكِتابِ: المُرادُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ إعْدامُ الكُفْرِ والشِّرْكِ مِنَ الأرْضِ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ومُقْتَضى هَذا ألّا يُقَرَّ كافِرٌ عَلى كُفْرِهِ، ولَكِنْ جاءَ النَّصُّ بِإقْرارِ أهْلِ الكِتابِ إذا أعْطَوُا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، فاقْتَصَرْنا بِها عَلَيْهِمْ وأخَذْنا في عُمُومِ الكُفّارِ بِالنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى قِتالِهِمْ إلى أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. قالُوا: ولا يَصِحُّ إلْحاقُ عَبَدَةِ الأوْثانِ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أغْلَظُ مِن كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم مِنَ التَّوْحِيدِ وبَعْضِ آثارِ الأنْبِياءِ ما لَيْسَ مَعَ عُبّادِ الأصْنامِ، ويُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ والجَزاءِ والنُّبُوّاتِ بِخِلافِ عَبَدَةِ الأصْنامِ. وَعَبَدَةُ الأصْنامِ حَرْبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ مِن عَهْدِ نُوحٍ إلى خاتَمِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ؛ ولِهَذا أثَّرَ هَذا التَّفاوُتُ الَّذِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في حِلِّ الذَّبائِحِ وجَوازِ المُناكَحَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ دُونَ عُبّادِ الأصْنامِ، ولا يَنْتَقِضُ هَذا بِالمَجُوسِ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ وأنَّها إنَّما وُضِعَتْ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً وإلّا لَوْ كانَتِ الجِزْيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ أوْلى بِها مِن غَيْرِهِمْ، ولَقالَ: لَهم حُكْمُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ. وَأمّا تَحْرِيمُ ذَبائِحِهِمْ ومُناكَحَتِهِمْ فاتِّفاقٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولِهَذا أنْكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَلى أبِي ثَوْرٍ طَرْدَهُ القِياسَ وإفْتاءَهُ بِحِلِّ ذَبائِحِهِمْ وجَوازِ مُناكَحَتِهِمْ ودَعا عَلَيْهِ أحْمَدُ حَيْثُ أقْدَمَ عَلى مُخالَفَةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والصَّحابَةُ كانُوا أفْقَهَ وأعْلَمَ وأسَدَّ قِياسًا ورَأْيًا فَإنَّهم أخَذُوا في الدِّماءِ بِحَقْنِها مُوافَقَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِعْلِهِ، حَيْثُ أخَذَها مِنهم وأخَذُوا في الأبْضاعِ والذَّبائِحِ بِتَحْرِيمِها احْتِياطًا وإبْقاءً لَها عَلى الأصْلِ، وإلْحاقًا لَهم بِعُبّادِ الأوْثانِ إذْ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ عُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ النِّيرانِ، فالأصْلُ في الدِّماءِ حَقْنُها وفي الأبْضاعِ والذَّبائِحِ تَحْرِيمُها فَأبْقَوْا كُلَّ شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ، وهَذا غايَةُ الفِقْهِ وأسَدُّ ما يَكُونُ مِنَ النَّظَرِ. [الحِكْمَةُ مِن إبْقاءِ أهْلِ الكِتابِ بَيْنَ أظْهُرِنا] قالُوا: ولِلَّهِ تَعالى حِكَمٌ في إبْقاءِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بَيْنَ أظْهُرِنا فَإنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ شاهِدُونَ بِأصْلِ النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ، وفي كُتُبِهِمْ مِنَ البِشاراتِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وذِكْرِ نُعُوتِهِ وصِفاتِهِ وصِفاتِ أُمَّتِهِ ما هو مِن آياتِ نُبُوَّتِهِ وبَراهِينِ رِسالَتِهِ، وما يَشْهَدُ بِصِدْقِ الأوَّلِ والآخِرِ. وَهَذِهِ الحِكْمَةُ تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكِتابِ دُونَ عَبَدَةِ الأوْثانِ فَبَقاؤُهم مِن أقْوى الحُجَجِ عَلى مُنْكِرِ النُّبُوّاتِ والمَعادِ والتَّوْحِيدِ، وقَدْ قالَ تَعالى لِمُنْكِرِي ذَلِكَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ذَكَرَ هَذا عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، يَعْنِي: سَلُوا أهْلَ الكِتابِ هَلْ أرْسَلْنا قَبْلَ مُحَمَّدٍ رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ أمْ كانَ مُحَمَّدٌ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ رَسُولٌ حَتّى يَكُونَ إرْسالُهُ أمْرًا مُنْكَرًا لَمْ يَطْرُقِ العالَمَ رَسُولٌ قَبْلَهُ؟ وَقالَ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، والمُرادُ بِسُؤالِهِمْ سُؤالُ أُمَمِهِمْ عَمّا جاءُوهم بِهِ هَلْ فِيهِ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهم أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِهِ إلَهٌ غَيْرُهُ؟ قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ سُؤالُ أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَيُخْبِرُونَهُ عَنْ كُتُبِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ. وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّقْدِيرُ واسْألْ مَن أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وهم أهْلُ الكِتابِ. وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ وسَلْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ. وَعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمُرادُ التَّقْرِيرُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أنْكَرَ النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدَ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رَسُولًا أوْ أنْزَلَ كِتابًا أوْ حَرَّمَ عِبادَةَ الأوْثانِ. فَشَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ بِهَذا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وهي مِن أعْلامِ صِحَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ إذْ كانَ قَدْ جاءَ عَلى ما جاءَ بِهِ إخْوانُهُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ مِن رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ولا جاءَ بِضِدِّ ما جاءُوا بِهِ، بَلْ أخْبَرَ بِمِثْلِ ما أخْبَرُوا بِهِ مِن غَيْرِ شاهِدٍ ولا اقْتِرانٍ في الزَّمانِ وهَذِهِ مِن أعْظَمِ آياتِ صِدْقِهِ. [سَبَبُ وضْعِ الجِزْيَةِ] والمَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَرْفٍ وهو أنَّ الجِزْيَةَ هَلْ وُضِعَتْ عاصِمَةً لِلدَّمِ، أوْ مَظْهَرًا لِصَغارِ الكُفْرِ وإذْلالِ أهْلِهِ فَهي عُقُوبَةٌ؟ فَمَن راعى فِيها المَعْنى الأوَّلَ قالَ: لا يَلْزَمُ مِن عِصْمَتِها لِدَمِ مَن خَفَّ كُفْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ وهم أهْلُ الكِتابِ - أنْ تَكُونَ عاصِمَةً لِدَمِ مَن يَغْلُظُ كُفْرُهُ. وَمَن راعى فِيها المَعْنى الثّانِيَ قالَ: المَقْصُودُ إظْهارُ صَغارِ الكُفْرِ وأهْلِهِ وقَهْرِهِمْ وهَذا أمْرٌ لا يَخْتَصُّ أهْلَ الكِتابِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ. قالُوا: وقَدْ أشارَ النَّصُّ إلى هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فالجِزْيَةُ صَغارٌ وإذْلالٌ، ولِهَذا كانَتْ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ الرِّقِّ. قالُوا: وإذا جازَ إقْرارُهم بِالرِّقِّ عَلى كُفْرِهِمْ جازَ إقْرارُهم عَلَيْهِ بِالجِزْيَةِ بِالأوْلى؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ الجِزْيَةِ أعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ الرِّقِّ؛ ولِهَذا يُسْتَرَقُّ مَن لا تَجِبُ عَلَيْهِ الجِزْيَةُ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ وغَيْرِهِمْ. فَإنْ قُلْتُمْ: لا يُسْتَرَقُّ عَيْنُ الكِتابِيِّ - كَما هي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ - كُنْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ الصَّحابَةِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْتَرِقُّ سَبايا عَبَدَةِ الأوْثانِ، ويَجُوزُ لِساداتِهِنَّ وطْؤُهُنَّ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ كَما في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ سَبايا " أوْطاسٍ "، وكانَتْ في آخِرِ غَزَواتِ العَرَبِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أنَّهُ قالَ: " «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا حائِلٌ حَتّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ» ". فَجَوَّزَ وطْأهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ ولَمْ يَشْتَرِطِ الإسْلامَ، وأكْثَرُ ما كانَتْ سَبايا الصَّحابَةِ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقِرُّهم عَلى تَمَلُّكِ السَّبْيِ. وَقَدْ دَفَعَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلى سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما امْرَأةً مِنَ السَّبْيِ نَفَلَها إيّاهُ، وكانَتْ مِن عُبّادِ الأصْنامِ. وَأخَذَ عُمَرُ وابْنُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن سَبْيِ " هَوازِنَ "، وكَذَلِكَ غَيْرُهُما مِنَ الصَّحابَةِ. وَهَذِهِ الحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِن سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ. . وَفِي الحَدِيثِ: " «مَن قالَ كَذا وكَذا فَكَأنَّما أعْتَقَ أرْبَعَ رِقابٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ» " ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ كِتابٍ، بَلْ أكْثَرُهم مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ. قالُوا: وإذا جازَ المَنُّ عَلى الأسِيرِ وإطْلاقُهُ بِغَيْرِ مالٍ ولا اسْتِرْقاقٍ فَلَأنْ يَجُوزَ إطْلاقُهُ بِجِزْيَةٍ تُوضَعُ عَلى رَقَبَتِهِ تَكُونُ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أوْلى وأحْرى، فَضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِ إنْ كانَ عُقُوبَةً فَهو أوْلى بِالجَوازِ مِن عُقُوبَةِ الِاسْتِرْقاقِ، وإنْ كانَ عِصْمَةً فَهو أوْلى بِالجَوازِ مِن عِصْمَتِهِ بِالمَنِّ عَلَيْهِ مَجّانًا، فَإذا جازَ إقامَتُهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَإقامَتُهُ بَيْنَهم بِالجِزْيَةِ أجْوَزُ وأحْوَزُ، وإلّا فَيَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ الكِتابِيِّ الَّذِي لا يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ إلّا بِالجِزْيَةِ. فَإنْ قُلْتُمْ: إذا مَنَنّا عَلَيْهِ ألْحَقْناهُ بِمَأْمَنِهِ، ولَمْ نُمَكِّنْهُ مِنَ الإقامَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. قِيلَ: إذا جازَ إلْحاقُهُ بِمَأْمَنِهِ حَيْثُ يَكُونُ قُوَّةً لِلْكُفّارِ وعَوْنًا لَهم وبِصَدَدِ المُحارَبَةِ لَنا مَجّانًا، فَلَأنْ يَجُوزَ هَذا في مُقابَلَةِ مالٍ يُؤْخَذُ مِنهُ يَكُونُ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وإذْلالًا وصَغارًا لِلْكُفْرِ أوْلى وأوْلى. يُوَضِّحُهُ أنَّهُ إذا جازَتْ مُهادَنَتُهم لِلْمَصْلَحَةِ بِغَيْرِ مالٍ ولا مَنفَعَةٍ تَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَأنْ يَجُوزَ أخْذُ المالِ مِنهم عَلى وجْهِ الذُّلِّ والصَّغارِ وقُوَّةِ المُسْلِمِينَ أوْلى وهَذا لا خَفاءَ بِهِ. يُوَضِّحُهُ أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ إذا كانُوا أُمَّةً كَبِيرَةً لا تُحْصى كَأهْلِ الهِنْدِ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ، فَإذْلالُهم وقَهْرُهم بِالجِزْيَةِ أقْرَبُ إلى عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ وقُوَّتِهِ مِن إبْقائِهِمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَيَكُونُونَ أحْسَنَ حالًا مِن أهْلِ الكِتابِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ الجِزْيَةَ مِن بابِ العُقُوباتِ لا أنَّها كَرامَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ فَلا يَسْتَحِقُّها سِواهم. وَأمّا مَن قالَ إنَّ الجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنى الدّارِ - كَما يَقُولُهُ أصْحابُ الشّافِعِيِّ - فَهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ سَيَأْتِي التَّعَرُّضُ إلَيْها فِيما بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. قالُوا: ولِأنَّ القَتْلَ إنَّما وجَبَ في مُقابَلَةِ الحِرابِ لا في مُقابَلَةِ الكُفْرِ ولِذَلِكَ لا يُقْتَلُ النِّساءُ ولا الصِّبْيانُ ولا الزَّمْنى والعُمْيانُ ولا الرُّهْبانُ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَ بَلْ نُقاتِلُ مَن حارَبَنا. وَهَذِهِ كانَتْ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أهْلِ الأرْضِ؛ كانَ يُقاتِلُ مَن حارَبَهُ إلى أنْ يَدْخُلَ في دِينِهِ أوْ يُهادِنَهُ أوْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَهْرِهِ بِالجِزْيَةِ، وبِهَذا كانَ يَأْمُرُ سَراياهُ وجُيُوشَهُ إذا حارَبُوا أعْداءَهم كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، فَإذا تَرَكَ الكُفّارُ مُحارَبَةَ أهْلِ الإسْلامِ وسالَمُوهم وبَذَلُوا لَهُمُ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ كانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِأهْلِ الإسْلامِ ولِلْمُشْرِكِينَ. أمّا مَصْلَحَةُ أهْلِ الإسْلامِ فَما يَأْخُذُونَهُ مِنَ المالِ الَّذِي يَكُونُ قُوَّةً لِلْإسْلامِ مَعَ صَغارِ الكُفْرِ وإذْلالِهِ، وذَلِكَ أنْفَعُ لَهم مِن تَرْكِ الكُفّارِ بِلا جِزْيَةٍ. وَأمّا مَصْلَحَةُ أهْلِ الشِّرْكِ فَما في بَقائِهِمْ مِن رَجاءِ إسْلامِهِمْ إذا شاهَدُوا أعْلامَ الإسْلامِ وبَراهِينَهُ، أوْ بَلَغَتْهم أخْبارُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَدْخُلَ في الإسْلامِ بَعْضُهم وهَذا أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن قَتْلِهِمْ. والمَقْصُودُ إنَّما هو أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ولَيْسَ في إبْقائِهِمْ بِالجِزْيَةِ ما يُناقِضُ هَذا المَعْنى كَما أنَّ إبْقاءَ أهْلِ الكِتابِ بِالجِزْيَةِ بَيْنَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ لا يُنافِي كَوْنَ كَلِمَةِ اللَّهِ هي العُلْيا، وكَوْنَ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ، فَإنَّ مِن كَوْنِ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ إذْلالَ الكُفْرِ وأهْلِهِ وصَغارَهُ وضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلى رُءُوسِ أهْلِهِ، والرِّقِّ عَلى رِقابِهِمْ فَهَذا مِن دِينِ اللَّهِ ولا يُناقِضُ هَذا إلّا تَرْكُ الكُفّارِ عَلى عِزِّهِمْ وإقامَةِ دِينِهِمْ كَما يُحِبُّونَ بِحَيْثُ تَكُونُ لَهُمُ الشَّوْكَةُ والكَلِمَةُ واللَّهُ أعْلَمُ. * [فَصْلٌ في الجِزْيَةِ والخَراجِ وما بَيْنَهُما مِنِ اتِّفاقٍ وافْتِراقٍ] الخَراجُ هو جِزْيَةُ الأرْضِ كَما أنَّ الجِزْيَةَ خَراجُ الرِّقابِ، وهُما حَقّانِ عَلى رِقابِ الكُفّارِ وأرْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ ويَتَّفِقانِ في وُجُوهٍ ويَفْتَرِقانِ في وُجُوهٍ. فَيَتَّفِقانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مَأْخُوذٌ مِنَ الكُفّارِ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذِّلَّةِ، وأنَّ مَصْرِفَهُما مَصْرِفُ الفَيْءِ، وأنَّهُما يَجِبانِ في كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً، وأنَّهُما يَسْقُطانِ بِالإسْلامِ عَلى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَيَفْتَرِقانِ في أنَّ الجِزْيَةَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، والخَراجَ بِالِاجْتِهادِ، وأنَّ الجِزْيَةَ إذا قُدِّرَتْ عَلى الغَنِيِّ لَمْ تَزِدْ بِزِيادَةِ غِناهُ، والخَراجَ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ كَثْرَةِ الأرْضِ وقِلَّتِها، والخَراجَ يُجامِعُ الإسْلامَ حَيْثُ نَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والجِزْيَةَ لا تُجامِعُهُ بِوَجْهٍ؛ ولِذَلِكَ يَجْتَمِعانِ تارَةً في رَقَبَةِ الكافِرِ وأرْضِهِ، ويَسْقُطانِ تارَةً، وتَجِبُ الجِزْيَةُ حَيْثُ لا خَراجَ، والخَراجُ حَيْثُ لا جِزْيَةَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب