الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة، لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾. (فائِدَة) لا تتمّ الرَّغْبَة في الآخِرَة إلّا بالزهد في الدُّنْيا، ولا يَسْتَقِيم الزّهْد في الدُّنْيا إلّا بعد نظرين صَحِيحَيْنِ: نظر في الدُّنْيا وسُرْعَة زَوالها وفنائها واضمحلالها، ونقصها وخسّتها، وألم المُزاحمَة عَلَيْها والحرص عَلَيْها، وما في ذَلِك من الغصَص والنغص والأنكاد. وَآخر ذَلِك الزَّوال والانقطاع مَعَ ما يعقب من الحَسْرَة والأسف. فطالبها لا يَنْفَكّ من هم قبل حُصُولها، وهم حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فَواتها فَهَذا أحد النظرين. النّظر الثّانِي: النّظر في الآخِرَة وإقبالها ومجيئها ولا بُد ودوامها وبقائها وشرف ما فِيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الَّذِي بَينه وبَين ما هُنا فهي كَمال الله سُبْحانَهُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبقى﴾ فَهِيَ خيرات كامِلَة دائمة وهَذِه خيالات ناقِصَة مُنْقَطِعَة مضمحلة فَإذا تمّ لَهُ هَذانِ النظران آثر ما يَقْتَضِي العقل إيثاره وزهد فِيما يَقْتَضِي الزّهْد فِيهِ فَكل أحد مطبوع على أن لا يتْرك النَّفْع العاجل واللذة الحاضِرَة إلى النَّفْع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة إلى إذا تبين لَهُ فضل الآجل على العاجل وقويت رغبته في الأعْلى الأفْضَل، فَإذا آثر الفاني النّاقِص كانَ ذَلِك إمّا لعدم تبين الفضل لَهُ، وإمّا لعدم رغبته في الأفْضَل. وكل واحِد من الأمريْنِ يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة، فَإن الرّاغِب في الدُّنْيا الحَرِيص عَلَيْهِ المُؤثر لَها إمّا أن يصدّق بِأن ما هُناكَ أشرف وأفضل وأبقى وإمّا أن لا يصدّق بذلك كانَ عادما للْإيمان رَأْسا وإن صدّق بذلك ولم يؤثره كانَ فاسد العقل سيئ الِاخْتِيار لنَفسِهِ وهَذا تَقْسِيم حاضر ضَرُورِيّ لا يَنْفَكّ العَبْد من أحد القسمَيْنِ مِنهُ فإيثار الدُّنْيا على الآخِرَة إمّا من فَساد في الإيمان، وإمّا من فَساد في العقل. وَما أكثر ما يكون مِنهُما، ولِهَذا نبذها رَسُول الله وراء ظَهره هو وأصْحابه وصرفوا عَنْها قُلُوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجورها ولم يميلوا إلَيْها وعدّوها سجنا لا جنّة فزهدوا فِيها حَقِيقَة الزّهْد ولَو أرادوها لنالوا مِنها كل مَحْبُوب لوصلوا مِنها إلى كل مَرْغُوب فقد عرضت عَلَيْهِ مَفاتِيح كنوزها فردّها وفاضت على أصْحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخِرَة بها وعَلمُوا أنَّها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنَّها دار عبور لا دار سرُور وأنَّها سَحابَة صيف تنقشع عَن قَلِيل وخيال طيف ما استتم الزِّيارَة حَتّى آذن بالرحيل قالَ النَّبِي "ما لِي وللدنيا إنَّما أنا كراكب قالَ في ظلّ شَجَرَة ثمَّ راح وتركها " وَقالَ: "ما الدُّنْيا في الآخِرَة إلّا كَما يدْخل أحدكُم إصبعه في اليم فَلْينْظر بِما ترجع" وَقالَ خالِقها سُبْحانَهُ ﴿إنَّما مثل حَياة الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ واللَّهُ يَدْعُو إلى دار السَّلام ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَأخْبر عَن خسة الدُّنْيا وزهَّد فِيها وأخْبر عَن دار السَّلام ودعا إلَيْها. * (فصل) اللَّذَّة المحرّمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انْقِضائِها، فَإذا اشتدّت الداعية مِنك إلَيْها ففكر في انقطاعها وبَقاء قبحها وألمها، ثمَّ وازن بَين الأمريْنِ وانْظُر ما بَينهما من التَّفاوُت. والتعب بِالطّاعَةِ ممزوج بالحسنِ مثمر للذة والراحة، فَإذا ثقلت على النَّفس ففكر في انْقِطاع تعبها وبَقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووازن بَين الأمريْنِ وآثر الرّاجِح على المَرْجُوح. فَإن تألّمت بِالسَّبَبِ فانْظُر إلى ما في المُسَبّب من الفرحة والسُّرُور واللذة يهن عَلَيْك مقاساته. وَإن تألمت بترك اللَّذَّة المُحرمَة فانْظُر إلى الألَم الَّذِي يعقبه ووازن بَين الألمين، وخاصيّة العقل تَحْصِيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحْتِمال أصْغَر الألمين لدفع أعلاهما. وَهَذا يحْتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها، وإلى عقل يخْتار بِهِ الأولى، والأنفع بِهِ لَهُ مِنها، فَمن وفّر قسمه من العقل والعلم واخْتارَ الأفْضَل وآثره ومن نقص حَظه مِنهُما أو من أحدهما اخْتار خِلافه. وَمن فكّر في الدُّنْيا والآخِرَة علم أنه لا ينال واحِدًا مِنهُما إلّا بمشّقة، فليتحمّل المشقّة لخيرهما وأبقاهما.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب