الباحث القرآني

* (فائدة) والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كله الله، بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق. وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله. قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾. فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله. فكل منهما يناقض الآخر. والفتنة قد فسرت بالشرك. فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك. وهي جنس تحته أنواع من الشبهات، والشهوات. * (فصل) لفظ (الفتنة) في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان. ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان. فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة﴾ [الأنفال:٣٩] وقوله: ﴿ألا فِى الفِتنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]. ويطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣]. ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿إنْ هِى إلا فِتْنَتُكَ تُضِل بها مَن تَشاءُ وتَهْدِى مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي امتحانك وابتلاؤك، تضل بها من وقع فيها، وتهدى من نجا منها. وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَة﴾ [التغابن: ١٥]. قال مقاتل "أى بلاء، وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى". وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به، وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عصمه الله تعالى. ويشهد لهذا ما روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "كان يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليهما فأخذهما، فوضعهما في حجره على المنبر، وقال: صدق الله: ﴿إنَما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما". وقال ابن مسعود رضي الله عنه "لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضُلات الفتن". ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]. وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين. وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم، من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراَ ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] هؤلاء. وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣]. فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟ فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة. فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها. فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣،: ١٤]. فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَة لِلظّالِمينَ﴾ [الصافات: ٦٣]. قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إنّها شَجَرَة تَخْرُجُ فِى أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]. فأخبرهم أن غذاءها من النار، أي غذيت بالنار. قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهرٍ لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يُعلم لم تبق على النار، وإنما دلَّنا الله تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة، وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك. والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا، بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها. وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، كان فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال أبو الأسد: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن، وتسعة بمنكبى الأيسر في النار، ونمضى فندخل الجنة. فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة. والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٤-٥]. وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]. قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا. وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك. وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل. وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم. وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فقال الله تعالى ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرين﴾. والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله سلم: "ما تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أضَرَّ مِنَ النِّساءِ عَلى الرِّجالِ" أو كما قال. فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوى المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به: ؎فَوَ اللهِ لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُ ∗∗∗ ِتَوْفِيقِه واللهُ بِالعَبْدِ أرْحَمُ ؎لما ثَبَتَ الإيمانُ يَوْماَ بِقَلْبِهِ ∗∗∗ عَلى هذِه العِلاّتِ، والأمْرُ أعْظَمُ ؎وَلا طاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍ ∗∗∗ مَخافَةَ نارٍ جَمْرها يَتَضَرَّمُ ؎وَلا خافَ يَوْمًا منْ مَقامِ إلهِهِ ∗∗∗ عَلَيْهِ بحُكْمِ القِسْطِ، إذْ لَيْسَ يَظْلِمُ * (فصل) والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما. ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إنْ يَتّبِعُونَ إلا الظّنَّ وما تَهْوى الأنُفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]. وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتّبِعِ الهَوى فَيضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بَما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦]. وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال. ولا ينُجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دِقِّ الدين وجِلِّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. وما يثبته الله من الصفات والأفعال، والأسماء، وما ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نُصبُ الزكاة ومستحقيها، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل، لا يتلقى إلا عنه، ولا يؤخذ إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه، ووزنه بما جاء به الرسول، فإن وافقه قبله، لا لكون ذلك القائل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رده، ولو قاله من قاله، فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه. وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفى على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفساد في الإرادة. وأما النوع الثاني من الفتنة. ففتنة الشهوات. وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعْوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩]. أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال وخضتم كالذي خاضوا فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات. فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح. فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسق الأعمال. فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات. ولهذا كان السلف يقولون "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه". وكانوا يقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل. فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة. ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين، فقال: ﴿وَجَعَلْنا مِنّهم أئمِةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. وجمع بينهما أيضًا في قوله: ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات. وجمع بينهما في قوله: ﴿واذْكْرُ عِبادَنا إبراهيم وإسْحقَ ويَعْقُوبَ أُولِى الأيْدِى والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥]. فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك. * (فصل) إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله. وهما الهدى، والرحمة. قال تعالى عن موسى وفتاه: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. فجمع له بين الرحمة والعلم، وذلك نظير قول أصحاب الكهف: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. فإن الرشد هو العلم بما ينفع، والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها تضمن الآخر، وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به وضدهما الغى واتباع الهوى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب