الباحث القرآني

* (فصل) والمقسم عليه هاهنا قوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعًا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا كقوله تعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وهذا أحسن من قول من قال إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة. * (فصل) ثم قال ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم. * (فصل) ثم قال تعالى ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر والأول أرجح لوجوه: أحدها أن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به. وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر. الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار يوضحه الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا فقوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يوضحه الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث الوجه السابع قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا. ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي. الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ وفي الحديث "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال المطهرون الملائكة. وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت إسحاق في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر" رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات "أن لا يمس القرآن إلا طاهر" قال أحمد أرجو أن يكون صحيحًا. وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع. * (فصل) ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيًا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنًا يخالف ظاهره وإن له تأويلًا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج، ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرًا وباطنًا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم. وأنت إذا تأملت قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق. * (فصل) وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ وَجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرْ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ هَذا القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]، وَوَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيَّ مِن الآيَةِ فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ " لا يَمَسُّهُ " لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] وَتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا أنَّهُ لا يَنالُ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وأنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا النَّسَبَ القَرِيبَ وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِن الآيَةِ واسْتِنْباطُ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِن الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ. ﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ * (فصل) قالَ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ: والصَّحِيحُ في الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِهِ: الصُّحُفُ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ. لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. مِنها: أنَّهُ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَكْنُونٌ والمَكْنُونُ: المَسْتُورُ عَنِ العُيُونِ. وهَذا إنَّما هو في الصُّحُفِ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ. وَمِنها: أنَّهُ قالَ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهُمُ المَلائِكَةُ. ولَوْ أرادَ المُتَوَضِّئِينَ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ. كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالمَلائِكَةُ مُطَهَّرُونَ. والمُؤْمِنُونَ مُتَطَهِّرُونَ. وَمِنها: أنَّ هَذا إخْبارٌ. ولَوْ كانَ نَهْيًا لَقالَ: لا يَمْسَسْهُ بِالجَزْمِ، والأصْلُ في الخَبَرِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا صُورَةً ومَعْنًى. وَمِنها: أنَّ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ بِهَذا القُرْآنِ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا تَنالُهُ الشَّياطِينُ. ولا وُصُولَ لَها إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] وإنَّما تَنالُهُ الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ. وهُمُ المَلائِكَةُ. وَمِنها: أنَّ هَذا نَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ - في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأيْدِي سَفَرَةٍ - كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢-١٦]. قالَ مالِكٌ في مَوَطَّئِهِ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أنَّها مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ. وَمِنها: أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مِن سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ. تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وإثْباتِ الصّانِعِ، والرَّدَّ عَلى الكُفّارِ. وهَذا المَعْنى ألْيَقُ بِالمَقْصُودِ مِن فَرْعٍ عَمَلِيٍّ. وهو حُكْمُ مَسِّ المُحْدِثِ المُصْحَفَ. وَمِنها: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ: لَمْ يَكُنْ في الإقْسامِ عَلى ذَلِكَ بِهَذا القَسَمِ العَظِيمِ كَثِيرُ فائِدَةٍ. إذْ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ كُلَّ كَلامٍ فَهو قابِلٌ لِأنَّ يَكُونَ في كِتابٍ حَقًّا أوْ باطِلًا. بِخِلافِ ما إذا وقَعَ القَسَمُ عَلى أنَّهُ في كِتابٍ مَصُونٍ، مَسْتُورٍ عَنِ العُيُونِ عِنْدَ اللَّهِ. لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْطانٌ. ولا يَنالُ مِنهُ. ولا يَمَسُّهُ إلّا الأرْواحُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ. فَهَذا المَعْنى ألْيَقُ وأجَلُّ وأخْلَقُ بِالآيَةِ وأوْلى بِلا شَكٍّ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: لَكِنْ تَدُلُّ الآيَةَ بِإشارَتِها عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفُ إلّا طاهِرٌ. لِأنَّهُ إذا كانَتْ تِلْكَ الصُّحُفُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهِّرُونَ، لِكَرامَتِها عَلى اللَّهِ. فَهَذِهِ الصُّحُفُ أوْلى أنْ لا يَمَسَّها إلّا طاهِرٌ. وَسَمِعَتْهُ يَقُولُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» إذا كانَتِ المَلائِكَةُ المَخْلُوقُونَ يَمْنَعُها الكَلْبُ والصُّورَةُ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ. فَكَيْفَ تَلِجُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَحَبَّتُهُ وحَلاوَةُ ذِكْرِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ، في قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِكِلابِ الشَّهَواتِ وصُوَرِها؟ فَهَذا مِن إشارَةِ اللَّفْظِ الصَّحِيحَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب