الباحث القرآني

وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾ كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان. وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن) وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم. وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك. وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل. ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول. وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا. ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية. والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها. وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى. ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾. قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون. فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا. وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه. فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم. * (فصل) وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾ كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ فهذه النشأة الأولى ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى. ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق. (قاعدة نافعة) العبد من حين استقرت قدمه في هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه. ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها، فهم مصحبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تُؤُزُّهم أزًَّا﴾ [مريم: ٨٣]، أي تزعجهم، إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا. القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام. وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله. وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه. فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار. والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب