الباحث القرآني

يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه. قال ابن عباس: "هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد إلا الجنة" وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: "قرأ رسول الله ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلاّ الإحْسانُ﴾ ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ". * [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الإحْسانِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإحْسانِ. وَهِيَ لُبُّ الإيمانِ، ورُوحُهُ وكَمالُهُ، وهَذِهِ المَنزِلَةُ تَجْمَعُ جَمِيعَ المَنازِلِ. فَجَمِيعُها مُنْطَوِيَةٌ فِيها. وكُلُّ ما قِيلَ مِن أوَّلِ الكِتابِ إلى هاهُنا فَهو مِنَ الإحْسانِ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ - وقَدِ اسْتَشْهَدَ عَلى هَذِهِ المَنزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. فالإحْسانُ: جامِعٌ لِجَمِيعِ أبْوابِ الحَقائِقِ. وهو أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. أمّا الآيَةُ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: هَلْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وعَمَلَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ إلّا الجَنَّةُ؟ وَقَدْ «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَرَأ ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ثُمَّ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ؟». وَأمّا الحَدِيثُ: فَإشارَةٌ إلى كَمالِ الحُضُورِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ومُراقَبَتِهِ الجامِعَةِ لِخَشْيَتِهِ، ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والإخْلاصِ لَهُ، ولِجَمِيعِ مَقاماتِ الإيمانِ. [دَرَجاتُ الإحْسانِ] [الدَّرَجَةُ الأوْلى الإحْسانُ في القَصْدِ بِتَهْذِيبِهِ عِلْمًا] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: الإحْسانُ في القَصْدِ بِتَهْذِيبِهِ عِلْمًا، وإبْرامِهِ عَزْمًا، وتَصْفِيَتِهِ حالًا. يَعْنِي: إحْسانُ القَصْدِ يَكُونُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ. أحَدُها: تَهْذِيبُهُ عِلْمًا، بِأنْ يَجْعَلَهُ تابِعًا لِلْعِلْمِ عَلى مُقْتَضاهُ مُهَذَّبًا بِهِ. مُنَقًّى مِن شَوائِبِ الحُظُوظِ، فَلا يَقْصِدُ إلّا ما يَجُوزُ في العِلْمِ. والعِلْمُ هو اتِّباعُ الأمْرِ والشَّرْعِ. والثّانِي: إبْرامُهُ عَزْمًا. والإبْرامُ: الإحْكامُ والقُوَّةُ. أيْ يُقارِنُهُ عَزْمٌ يُمْضِيهِ، ولا يَصْحَبُهُ فُتُورٌ وتَوانٍ يُضْعِفُهُ ويُوهِنُهُ. الثّالِثُ: تَصْفِيَتُهُ حالًا. أيْ يَكُونُ حالُ صاحِبِهِ صافِيًا مِنَ الأكْدارِ والشَّوائِبِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلى كَدَرِ قَصْدِهِ. فَإنَّ الحالَ مَظْهَرُ القَصْدِ وثَمَرَتُهُ. وهو أيْضًا مادَّتُهُ وباعِثُهُ. فَكُلٌّ مِنهُما يَنْفَعِلُ عَنِ الآخَرِ. فَصَفاؤُهُ وتَخْلِيصُهُ مِن تَمامِ صَفاءِ الآخَرِ وتَخْلِيصِهِ. * [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ الإحْسانُ في الأحْوالِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الإحْسانُ في الأحْوالِ. وهو أنْ تُراعِيَها غَيْرَةً. وتَسْتُرَها تَظَرُّفًا، وتُصَحِّحَها تَحَقِيقًا. يُرِيدُ بِمُراعاتِها: حِفْظَها وصَوْنَها، غَيْرَةً عَلَيْها أنْ تَحُولَ. فَإنَّها تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ. فَإنْ لَمْ يَرْعَ حُقُوقَها حالَتْ. ومُراعاتُها: بِدَوامِ الوَفاءِ، وتَجَنُّبِ الجَفاءِ. وَيُراعِيها أيْضًا بِإكْرامِ نُزُلِها. فَإنَّها ضَيْفٌ. والضَّيْفُ إنْ لَمْ تُكَرِمْ نُزُلَهُ ارْتَحَلَ. وَيُراعِيها أيْضًا بِضَبْطِها مَلَكَةً. وشَدِّ يَدِهِ عَلَيْها، وأنْ لا يَسْمَحَ بِها لِقاطِعِ طَرِيقٍ ولا ناهِبٍ. وَيُراعِيها أيْضًا: بِالِانْقِيادِ إلى حُكْمِها، والإذْعانِ لِسُلْطانِها إذا وافَقَ الأمْرَ. وَيُراعِيها أيْضًا: بِسَتْرِها تَظَرُّفًا، وهو أنْ يَسْتُرَها عَنِ النّاسِ ما أمْكَنَهُ. لِئَلّا يَعْلَمُوا بِها. ولا يُظْهِرَها إلّا لِحُجَّةٍ. أوْ حاجَةٍ، أوْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ. فَإنَّ في إظْهارِها بِدُونِ ذَلِكَ آفاتٍ عَدِيدَةً. مَعَ تَعْرِيضِها لِلُّصُوصِ والسُّرّاقِ والمُغِيرِينَ. وَإظْهارُ الحالِ لِلنّاسِ عِنْدَ الصّادِقِينَ: حُمْقٌ وعَجْزٌ. وهو مِن حُظُوظِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ. وأهْلُ الصِّدْقِ والعَزْمِ لَها أسْتَرُ، وأكْتَمُ مِن أرْبابِ الكُنُوزِ مِنَ الأمْوالِ لِأمْوالِهِمْ، حَتّى إنَّ مِنهم مَن يُظْهِرُ أضْدادَها نَفْيًا وجَحْدًا. وهم أصْحابُ المَلامَتِيَّةِ، ولَهم طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وكانَ شَيْخُ هَذِهِ الطّائِفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَنازِلَ. واتَّفَقَتِ الطّائِفَةُ عَلى أنَّ مَن أطْلَعَ النّاسَ عَلى حالِهِ مَعَ اللَّهِ: فَقَدْ دَنَّسَ طَرِيقَتَهُ. إلّا لِحُجَّةٍ أوْ حاجَةٍ أوْ ضَرُورَةٍ. وَقَوْلُهُ: وتَصْحِيحُها تَحْقِيقًا أيْ يَجْتَهِدُ في تَحْقِيقِ أحْوالِهِ، وتَصْحِيحِها وتَخْلِيصِها. فَإنَّ الحالَ قَدْ يَمْتَزِجُ بِحَقٍّ وباطِلٍ. ولا يُمَيِّزُهُ إلّا أُولُو البَصائِرِ والعِلْمِ. وَأهْلُ هَذِهِ الطَّرِيقِ يَقُولُونَ: إنَّ الوارِدَ الَّذِي يَبْتَدِئُ العَبْدُ مِن جانِبِهِ الأيْمَنِ والهَواتِفَ والخِطابَ: يَكُونُ في الغالِبِ حَقًّا. والَّذِي يَبْتَدِئُ مِنَ الجانِبِ الأيْسَرِ: يَكُونُ في الغالِبِ باطِلًا وكَذِبًا. فَإنَّ أهْلَ اليَمِينِ: هم أهْلُ الحَقِّ. وبِأيْمانِهِمْ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم. ونُورُهُمُ الظّاهِرُ عَلى الصِّراطِ بِأيْمانِهِمْ. وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وتَرَجُّلِهِ، وطَهُورِهِ وشَأْنِهِ كُلِّهِ. واللَّهُ ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلى مَيامِنِ الصُّفُوفِ. وَأخْبَرَ أنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ ويَشْرَبُ بِشِمالِهِ. وحَظُّهُ مِنِ ابْنِ آدَمَ جِهَةُ الشِّمالِ. وَلِهَذا تَكُونُ اليَدُ الشِّمالِ لِلِاسْتِجْمارِ، وإزالَةِ النَّجاسَةِ والأذى. ويُبْدَأُ بِالرِّجْلِ الشِّمالِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلاءِ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ يَبْقى الإنْسانُ بَعْدَ انْفِصالِهِ نَشِيطًا مَسْرُورًا نَشْوانًا: فَإنَّهُ وارِدٌ مَلَكِيٌّ، وكُلُّ وارِدٍ يُبْقِي الإنْسانَ بَعْدَ انْفِصالِهِ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ، ثَقِيلَ الأعْضاءِ والرُّوحِ، يَجْنَحُ إلى فُتُورٍ - فَهو وارِدٌ شَيْطانِيٌّ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ أعْقَبَ صاحِبُهُ تَقَدُّمًا إلى اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ، وحُضُورًا فِيها، حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُ الجَنَّةَ قَدْ أُزْلِفَتْ، والجَحِيمَ قَدْ سُعِّرَتْ - فَهو إلَهِيٌّ مَلَكِيٌّ، وخِلافُهُ شَيْطانِيٌّ نَفْسانِيٌّ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ كانَ سَبَبُهُ النَّصِيحَةَ في امْتِثالِ الأمْرِ، والإخْلاصِ والصِّدْقِ فِيهِ - فَهو إلَهِيٌّ مَلَكِيٌّ. وإلّا فَهو شَيْطانِيٌّ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ اسْتَنارَ بِهِ القَلْبُ، وانْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ، وقَوِيَ بِهِ القَلْبُ - إلَهِيٌّ مَلَكِيٌّ. وإلّا فَهو شَيْطانِيٌّ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ وارِدٍ جَمَعَكَ عَلى اللَّهِ فَهو مِنهُ. وكُلَّ وارِدٍ فَرَّقَكَ عَنْهُ، وأخَذَكَ عَنْهُ: فَمِنَ الشَّيْطانِ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ الوارِدَ الإلَهِيِّ لا يُصْرَفُ إلّا في قُرْبَةٍ وطاعَةٍ، ولا يَكُونُ سَبَبُهُ إلّا قُرْبَةً وطاعَةً، فَمُسْتَخْرِجُهُ الأمْرُ. ومُصَرِّفُهُ الأمْرُ، والشَّيْطانِيُّ بِخِلافِهِ. وَمِنَ الفُرْقانِ أيْضًا: أنَّ الوارِدَ الرَّحْمانِيَّ لا يَتَناقَضُ، ولا يَتَفاوَتُ ولا يَخْتَلِفُ. بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشَّيْطانِيَّ بِخِلافِهِ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. * [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الإحْسانُ في الوَقْتِ] * فَصْلٌ قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الإحْسانُ في الوَقْتِ. وهو أنْ لا تُزايِلَ المُشاهَدَةَ أبَدًا. ولا تَخْلِطَ بِهِمَّتِكَ أحَدًا. وتَجْعَلَ هِجْرَتَكَ إلى الحَقِّ سَرْمَدًا. أيْ لا تُفارِقُ حالَ الشُّهُودِ. وَهَذا إنَّما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أهْلُ التَّمَكُّنِ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِنُفُوسِهِمْ وقَطَعُوا المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ القَلْبِ. والمَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ، بِمُجاهِدَةِ القُطّاعِ الَّتِي عَلى تِلْكَ المَسافاتِ. قَوْلُهُ: ولا تَخْلِطَ بِهِمَّتِكَ أحَدًا. يَعْنِي: أنْ تُعَلِّقَ هِمَّتَكَ بِالحَقِّ وحْدَهُ. ولا تُعَلِّقَ هِمَّتَكَ بِأحَدٍ غَيْرِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ شِرْكٌ في طَرِيقِ الصّادِقِينَ. قَوْلُهُ: وأنْ تَجْعَلَ هِجْرَتَكَ إلى الحَقِّ سَرْمَدًا. يَعْنِي: أنَّ كُلَّ مُتَوَجِّهٍ إلى اللَّهِ بِالصِّدْقِ والإخْلاصِ، فَإنَّهُ مِنَ المُهاجِرِينَ إلَيْهِ. فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الهِجْرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَصْحَبَها سَرْمَدًا. حَتّى يَلْحَقَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ؎فَما هي إلّا ساعَةٌ. ثُمَّ تَنْقَضِي ∗∗∗ ويَحْمَدُ غِبَّ السَّيْرِ مَن هو سائِرٌ وَلِلَّهِ عَلى كُلِّ قَلْبٍ هِجْرَتانِ. وهُما فَرْضٌ لازِمٌ لَهُ عَلى الأنْفاسِ: هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، والإنابَةِ والحُبِّ، والخَوْفِ والرَّجاءِ والعُبُودِيَّةِ. وَهِجْرَةٌ إلى رَسُولِهِ ﷺ: بِالتَّحْكِيمِ لَهُ والتَّسْلِيمِ والتَّفْوِيضِ، والِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ، وتَلَقِّي أحْكامِ الظّاهِرِ والباطِنِ مِن مِشْكاتِهِ. فَيَكُونُ تَعَبُّدُهُ بِهِ أعْظَمَ مِن تَعَبُّدِ الرَّكْبِ بِالدَّلِيلِ الماهِرِ في ظُلَمِ اللَّيْلِ، ومَتاهاتِ الطَّرِيقِ. فَما لَمْ يَكُنْ لِقَلْبِهِ هاتانِ الهِجْرَتانِ فَلْيَحْثُ عَلى رَأْسِهِ الرَّمادَ. وَلْيُراجِعِ الإيمانَ مِن أصْلِهِ. فَيَرْجِعَ وراءَهُ لِيَقْتَبِسَ نُورًا، قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ويُقالَ لَهُ ذَلِكَ عَلى الصِّراطِ مِن وراءِ السُّورِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب