الباحث القرآني

* (فصل) ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى، والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه جبريل عليه الصلاة والسلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله تعالى ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ قال أخبرني ابن مسعود أن النبي رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح وقال البخاري عنه رأى رفرفًا أخضر يسد الأفق وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قال رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضًا عن مسروق قال كنت متكئًا عند عائشة فقالت ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هن قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال وكنت متكئًا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً﴾ أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله لى الله عليه وسلم فقال "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته متهبطا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض فقالت أولم تسمع أن الله عز وجل يقول ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ أولم تسمع أن الله عز وجل يقول ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ " قالت ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز وجل يقول ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ ولو كان محمد كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية ﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ وفي الصحيحين عن مسروق أيضًا قال سألت عائشة رضي الله عنها هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضًا قال قلت لعائشة فأين قوله عز وجل ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ قالت إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم، وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة "فيكشف الحجاب فينظرون إليه" فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد به الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز وجل ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء. وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ على عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لا يرى بل يرى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم وبينه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل وأما قول ابن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الإجماع على ما قالته عائشة فقال في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله ﷺ قال "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة" فحكى تأويل المريسي الباطل ثم قال ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر "إنه لم ير ربه" وقال رسول الله ﷺ "لن تروا ربكم حتى تموتوا" وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: "صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة" فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد هل رأى رسول الله ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات أحداها أنه رآه قال المروزي قلت لأبي عبد الله يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة فقال بقول النبي صلى الله عليه وسلم "رأيت ربي" قول النبي أكبر من قولها. قال وذكر المروزي في موضع آخر أنه قال لأبي عبد الله هاهنا رجل يقول إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى ربه في الدنيا، فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء. قال فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله النبي رأى ربه رؤيا حلم بقلبه قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبد الرحمن بن عابس عن النبي ﷺ "رأيت ربي في أحسن صورة" فقال معمر مضطرب لأن معمرًا رواه عن أيوب عن معبد عن عبد الرحمن بن عابس عن النبي ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن ابن عابس عن رجل من أصحاب النبي ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عابس عن معاذ عن النبي وأصل الحديث واحد قال الأثرم فقلت لأبي عبد الله فإلى أي شيء تذهب فقال قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلًا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينه ولا بقلبه، كما جاء الحديث فاستحسن ذلك الأشيب فقال أبو عبد الله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل وحديث عبد الرحمن بن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا "لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى" وذكر الحديث وهذا غلط قطعا فإن القصة إنما كانت بالمدينة كما قال معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يخصتم الملأ الأعلى" وذكر الحديث. فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي ﷺ نص أنه رآه بعينه يقظة وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث "رأيت ربي" وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر. ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي ﷺ إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدًا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية. وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته للحديث. وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية. وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجئ ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره قول من قال لم يره أصلًا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم. * (فصل) مما جاء في حَدِيثِ المِعْراجِ: «ثُمَّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ لَهُ جِبْرِيلُ فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأى هُنالِكَ آدَمَ أبا البَشَرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وأراهُ اللَّهُ أرْواحَ السُّعَداءِ عَنْ يَمِينِهِ، وأرْواحَ الأشْقِياءِ عَنْ يَسارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأى فِيها يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا وعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُما وسَلَّمَ عَلَيْهِما، فَرَدّا عَلَيْهِ ورَحَّبا بِهِ، وأقَرّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فَرَأى فِيها يُوسُفَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فَرَأى فِيها إدْرِيسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ورَحَّبَ بِهِ وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فَرَأى فِيها هارُونَ بْنَ عِمْرانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، فَلَقِيَ فِيها مُوسى بْنَ عِمْرانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَحَّبَ بِهِ، وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمّا جاوَزَهُ بَكى مُوسى، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: أبْكِي لِأنَّ غُلامًا بُعِثَ مِن بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِمّا يَدْخُلُها مِن أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَلَقِيَ فِيها إبْراهِيمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ورَحَّبَ بِهِ وأقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى الجَبّارِ جَلَّ جَلالُهُ، فَدَنا مِنهُ حَتّى كانَ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ٩] وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً. فَرَجَعَ حَتّى مَرَّ عَلى مُوسى فَقالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قالَ: بِخَمْسِينَ صَلاةً، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فالتَفَتَ إلى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذَلِكَ، فَأشارَ أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَعَلا بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى أتى بِهِ الجَبّارَ تَبارَكَ وتَعالى، وهو في مَكانِهِ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في بَعْضِ الطُّرُقِ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ حَتى مَرَّ بِمُوسى فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسى وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتى جَعَلَها خَمْسًا، فَأمَرَهُ مُوسى بِالرُّجُوعِ وسُؤالِ التَّخْفِيفِ، فَقالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ولَكِنْ أرْضى وأُسَلِّمُ، فَلَمّا بَعُدَ نادى مُنادٍ: قَدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي». واخْتَلَفَ الصَّحابَةُ: هَلْ رَأى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أمْ لا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ رَأى رَبَّهُ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ). وَصَحَّ عَنْ عائشة وابْنِ مَسْعُودٍ إنْكارُ ذَلِكَ، وقالا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] إنَّما هو جِبْرِيلُ. وَصَحَّ عَنْ «أبي ذر أنَّهُ سَألَهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ: نُورٌ أنّى أراهُ»، أيْ: حالَ بَيْنِي وبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَما قالَ في لَفْظٍ آخَرَ: (رَأيْتُ نُورًا). وَقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ اتّفاقَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَهُ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: ولَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: " إنَّهُ رَآهُ " مُناقِضًا لِهَذا، ولا قَوْلُهُ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ)، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " «رَأيْتُ رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى» " ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذا في الإسْراءِ، ولَكِنْ كانَ في المَدِينَةِ لَمّا احْتُبِسَ عَنْهم في صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَنامِهِ، وعَلى هَذا بَنى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا بُدَّ، ولَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً، ومَن حَكى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وهِمَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ قالَ مَرَّةً: رَآهُ، ومَرَّةً قالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ، فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوايَتانِ، وحُكِيَتْ عَنْهُ الثّالِثَةُ مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ أصْحابِهِ: أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ، لَيْسَ فِيها ذَلِكَ. وَأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإنْ كانَ اسْتِنادُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّ هَذا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا هو مُسْتَنَدُ الإمامِ أحْمَدَ في قَوْلِهِ: (رَآهُ بِفُؤادِهِ)، واللَّهُ أعْلَمُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب