الباحث القرآني

وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه والفرق بينهما فتأمل قوله تعالى ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا أن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا﴾ وقوله ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾ وقوله ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهم لَتَزُولُ مِنهُ الجِبالُ﴾ على قراءة من فتح اللام. فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السماوات والأرض فالحلم وإمساكهما أن تزولا هو الصبر فبحلمه صبر عن معالجة أعدائه. وفى الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى فالذي عنه الإمساك هو صفة الحلم والامساك هو الصبر وهو حبس العقوبة ففرق بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها فتأمله. وفى مسند الإمام أحمد مرفوعا: "ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا مقتضى الطبيعة لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع ولكن الله يمسكه بقدرته وحلمه وصبره وكذلك خرور الجبال وتفطير السماوات الرب تعالى يحبسها عن ذلك بصبره وحلمه فإن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار في مقابلة العظمة والجلال والإكرام يقتضى ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه الأسباب أسبابا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمه تقابل تلك الأسباب التي هي سبب زوال العالم وخرابه فدفعت تلك الأسباب وقاومتها. وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه وغلبتها له وسبقها إياه فغلب أثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب، ولهذا استعاذ النبي بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، ثم جمع الأمرين في الذات إذ هما قائمان بها فقال "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك" فإن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه فهو الذي أذن في وقوع الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكونا فمنه السبب والمسبب وهو الذي حرك الأنفس والأبدان وأعطاها قوى التأثير وهو الذي أوجدها وأعدها ومدها وسلطها على ما شاء وهو الذي يمسكها إذا شاء ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها. ((الجزء الرابع عشر))
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب