الباحث القرآني
قوله تعالى: ﴿وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك﴾
فلم يجعل لعدوه سلطانًا على عباده المؤمنين، فإنهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احتزر العبد ما احتزر، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.
وقد كان آدم أبو البشر ﷺ من أحلم الخلق وأرجحهم عقلًا وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحلم ومن عقله في جنب عقل أبيه كتفلة في بحر؟ ولكن عدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.
فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له من أبواب التوبة والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه.
وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار.
قالوا: كيف؟
قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه منه مشفقًا وجلًا باكيًا نادمًا مستحيًا من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.
ويفعل الحسنة فلا يزال يمن بها على ربه ويتكبر بها ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.
فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمر يكسره به ويذل به عنقه ويصغر به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلاه وعجبه وكبره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه.
فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك.
فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجأ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.
قال شيخ الإسلام: العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.
* (فصل)
ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢-٨٣].
فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم.
فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع. فكيف ينفيه في قوله:
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠-٢١].
قيل: إن كان الضمير في قوله: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ [سبأ: ٢١].
عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعا: أي لكن امتحنّاهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. وإن كان عائدا على ما عاد عليه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠].
وهو الظاهر، ليصح الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي ويكون المعنى: وما سلطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة.
قال ابن قُتيبة: "إن إبليس لما سأل الله تعالى النظرة قال لأغوينهم ولأضلنهم ولآمرنهم بكذا، ولأتخذن من عبادك نصيبًا مفروضا وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم، وإنما قال ظانا، فلما اتَّبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء".
وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشك فيها، وهم الذين تولوه وأشركوا به فيكون السلطان ثابتا لا منفيا، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات.
فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم. حيث يقول لأهل النار:
﴿وَما كانَ لِيَ عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مقررًا له، لا منكرا، فدل على أنه كذلك.
قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم" أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة.
فأما السلطان الذي أثبته في قوله: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠].
فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزا﴾ [مريم: ٨٣].
قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفي رواية: "تشليهم إشلاء" وفي لفظ: "تحرضهم تحريضا" وفي آخر: "تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا" وفي آخر: "توقدهم" أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته، قال الأخفش: "توهجهم".
{"ayah":"وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَیۡهِم مِّن سُلۡطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن یُؤۡمِنُ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِی شَكࣲّۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءٍ حَفِیظࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











