الباحث القرآني
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] وذِكْرَ الأشْقى يُثِيرُ اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ أثَرِ ذَلِكَ فابْتُدِئَ بِوَصْفِ أثَرِ الشَّقاوَةِ فَوَصَفَ الأشْقى بِأنَّهُ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] وأخَّرَ ذِكْرَ ثَوابِ الأتْقى تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ في الغَرَضِ وهو بَيانُ جَزاءِ الأشْقى الَّذِي يَتَجَنَّبُ الذِّكْرى، وبَقِيَ السّامِعُ يَنْتَظِرُ أنْ يَعْلَمَ جَزاءَ مَن يَخْشى ويَتَذَكَّرُ، فَلَمّا وُفِّيَ حَقُّ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبَةِ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ لِبَيانِ المَثُوبَةِ والتَّرْغِيبِ. فالمُرادُ بِـ ﴿مَن تَزَكّى﴾ هَنا عَيْنُ المُرادِ بِـ (﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) و(يَذَّكَّرُ) فَقَدْ عُرِفَ هُنا بِأنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ رَبِّهِ هو التَّذَكُّرُ بِالذِّكْرى، فالتَّذَكُّرُ هو غايَةُ الذِّكْرى المَأْمُورِ بِها الرَّسُولُ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: فَذَكِّرْ.
وقَدْ جُمِعَتْ أنْواعُ الخَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ فَإنَّ الفَلاحَ نَجاحُ المَرْءِ فِيما يَطْمَحُ إلَيْهِ فَهو يَجْمَعُ مَعْنَيَيِ الفَوْزِ والنَّفْعِ وذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالمُبْتَغى مِنَ الخَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ في البَقَرَةِ.
والإتْيانُ بِفِعْلِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: أفْلَحَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُحَقَّقِ وُقُوعِهِ مِنَ الآخِرَةِ، واقْتِرانِهِ بِحَرْفِ قَدْ لِتَحْقِيقِهِ وتَثْنِيَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى الأشْقَيْنَ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا الذِّكْرى إثارَةً لِهِمَّتِهِمْ في الِالتِحاقِ بِالَّذِينَ خَشَوْا فَأفْلَحُوا.
ومَعْنى تَزَكّى: عالَجَ أنْ يَكُونَ زَكِيًّا، أيْ: بَذَلَ اسْتِطاعَتَهُ في تَطْهِيرِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] .
(p-٢٨٨)فَمادَّةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ وبِذْلِ الجُهْدِ، وأصْلُ ذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ والِاسْتِعْدادُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ ويَجِيءُ بِها، فَيَشْمَلُ زَكاةَ الأمْوالِ.
أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وخَلَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِها»، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ.
وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّهُ إذا تَطَهَّرَتِ النَّفْسُ أشْرَقَتْ فِيها أنْوارُ الهِدايَةِ فَعَلِمَتْ مَنافِعَها وأكْثَرَتْ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْها، فالتَّزْكِيَةُ: الِارْتِياضُ عَلى قَبُولِ الخَيْرِ والمُرادُ تَزَكّى بِالإيمانِ.
وفِعْلُ ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ الَّذِي هو بِكَسْرِ الذّالِ فَيَكُونُ كَلِمَةُ ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ مُرادًا بِها ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ، مِثْلَ قَوْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)، وقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) و(سُبْحانَ اللَّهِ)، ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو حُضُورُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ الذّاكِرَةِ والمُفَكِّرَةِ فَتَكُونُ كَلِمَةُ اسْمَ مُقْحَمَةً لِتَدُلَّ عَلى شَأْنِ اللَّهِ وصِفاتِ عَظَمَتِهِ، فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ أوْصافُ كَمالٍ.
وتَفْرِيعُ فَصَلّى عَلى ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ يَبْعَثُ الذّاكِرَ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وثَناءٌ.
وقَدْ رُتِّبَتْ هَذِهِ الخِصالُ الثَّلاثُ في الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِ تَوَلُّدِها. فَأصْلُها: إزالَةُ الخَباثَةِ النَّفْسِيَّةِ مِن عَقائِدَ باطِلَةٍ وحَدِيثِ النَّفْسِ بِالمُضْمِراتِ الفاسِدَةِ وهي المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: تَزَكّى، ثُمَّ اسْتِحْضارُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَخافَهُ ويَرْجُوَهُ وهو المُشارُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ الإقْبالُ عَلى طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَصَلّى والصَّلاةُ تُشِيرُ إلى العِبادَةِ وهي في ذاتِها طاعَةٌ وامْتِثالٌ يَأْتِي بَعْدَهُ ما يُشْرَعُ مِنَ الأعْمالِ قالَ تَعالى: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ.
{"ayahs_start":14,"ayahs":["قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ","وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ"],"ayah":"وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











