الباحث القرآني
( ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ تُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
اسْتِئْنافٌ هو عِلَّةٌ وبَيانٌ لِلْإنْكارِ المَسُوقِ لِلِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ﴾ [القيامة: ٣٦]) الَّذِي جُعِلَ تَكْرِيرًا وتَأْيِيدَ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) الآيَةَ، أيْ أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن مادَّةٍ ضَعِيفَةٍ وتَدَرُّجَهُ في أطْوارِ كِيانِهِ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ عَلى إنْشائِهِ إنْشاءً ثانِيًا بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِ واضْمِحْلالِها، فَيَتَّصِلُ مَعْنى الكَلامِ هَكَذا: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ويَعُدُّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرًا. ألَمْ نَبْدَأْ خَلْقَهُ إذْ كَوَّناهُ نُطْفَةً ثُمَّ تَطَوَّرَ خَلْقُهُ أطْوارًا فَماذا يُعْجِزُنا أنْ نُعِيدَ خَلْقَهُ ثانِيًا كَذَلِكَ، قالَ تَعالى (﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) .
وهَذِهِ الجُمَلُ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ (﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾) .
وهَذا البَيانُ خاصٌّ بِأحَدِ مَعْنَيَيِ التَّرْكِ في الآيَةِ وهو تَرْكُهُ دُونَ إحْياءٍ وأكْتَفِي (p-٣٦٧)بِبَيانِ هَذا عَنْ بَيانِ المَعْنى الآخَرِ الَّذِي قَيَّدَهُ قَوْلُهُ (سُدًى)، أيْ تَرْكُهُ بِدُونِ جَزاءٍ عَلى أعْمالِهِ لِأنَّ فائِدَةَ الإحْياءِ أنْ يُجازى عَلى عَمَلِهِ. والمَعْنى: أيَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ فانِيًا ولا تُجَدَّدَ حَياتُهُ.
ووَقَعَ وصْفُ (سُدًى) في خِلالِ ذَلِكَ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى لُزُومِ بَعْثِ النّاسِ مِن جانِبِ الحِكْمَةِ، وانْتَقَلَ بَعْدَهُ إلى بَيانِ إمْكانِ البَعْثِ مِن جانِبِ المادَّةِ، فَكانَ وُقُوعُهُ إدْماجًا.
فالإنْسانُ خُلِقَ مِن ماءٍ وطُوِّرَ أطْوارًا حَتّى صارَ جَسَدًا حَيًّا تامَّ الخِلْقَةِ والإحْساسِ فَكانَ بَعْضُهُ مِن صِنْفِ الذُّكُورِ وبَعْضُهُ مِن صِنْفِ الإناثِ، فالَّذِي قَدَرَ عَلى هَذا الخَلْقِ البَدِيعِ لا يُعْجِزُهُ إعادَةُ خَلْقِ كُلِّ واحِدٍ كَما خَلَقَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ بِحِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ وطَرِيقَةٍ أُخْرى لا يَعْلَمُها إلّا هو.
والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ سُمِّيَ بِها ماءُ التَّناسُلِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ فاطِرٍ.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ مَعْنى (تُمْنى) فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَعْناهُ: تُراقُ. ولَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ اللُّغَةِ أنَّ فِعْلَ: مَنى أوْ أمْنى يُطْلَقُ بِمَعْنى أراقَ سِوى أنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ قالَ في تَسْمِيَةِ (مِنى) الَّتِي بِمَكَّةَ إنَّها سُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِأنَّها تُراقُ بِها دِماءُ الهَدْيِ، ولَمْ يُبَيِّنُوا هَلْ هو فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أوْ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ.
وأحْسَبُ هَذا مِنَ التَلْفِيقاتِ المَعْرُوفَةِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ مِن طَلَبِهِمْ إيجادَ أصْلٍ لِاشْتِقاقِ الأعْلامِ وهو تَكَلُّفٌ صُراحٌ، فاسْمُ (مِنى) عَلَمٌ مُرْتَجَلٌ، وقالَ ثَعْلَبُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: مَنى اللَّهُ عَلَيْهِ المَوْتَ، أيْ قَدَّرَهُ لِأنَّها تُنْحَرُ فِيها الهَدايا ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ شُمَيْلٍ وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وفَسَّرَ بَعْضُهم تُمْنى بِمَعْنى تُخْلَقُ مِن قَوْلِهِمْ مَنى اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ خَلَقَهم. والأظْهَرُ قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ مُضارِعُ أمْنى الرَّجُلُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]) في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والعَلَقَةُ: القِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الدَّمِ المُتَعَقِّدِ.
وعُطِفُ فِعْلُ (﴿كانَ عَلَقَةً﴾) بِحَرْفِ ثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُتْبِي فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَقَةً أعْجَبُ مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً لِأنَّهُ صارَ عَلَقَةً بَعْدَ أنْ كانَ ماءً فاخْتَلَطَ بِما تُفْرِزُهُ رَحِمُ الأُنْثى مِنَ البُوَيْضاتِ فَكانَ مِن مَجْمُوعِهِما عَلَقَةً كَما تَقَدَّمَ في فائِدَةِ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النَّجْمِ (﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦]) .
(p-٣٦٨)ولَمّا كانَ تَكْوِينُهُ عَلَقَةً هو مَبْدَأ خَلْقِ الجِسْمِ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَخَلَقَ) بِالفاءِ، لِأنَّ العَلَقَةَ يَعْقُبُها أنْ تَصِيرَ مُضْغَةً إلى أنْ يَتِمَّ خَلْقُ الجَسَدِ وتُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ.
وضَمِيرُ (خَلَقَ) عائِدٌ إلى (رَبِّكَ) . وكَذَلِكَ عُطِفَ (فَسَوّى) بِالفاءِ.
والتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَواءً، أيْ مُعَدَّلًا مُقَوَّمًا قالَ تَعالى (﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]) وقالَ (﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢])، أيْ فَجَعَلَهُ جَسَدًا مِن عَظْمٍ ولَحْمٍ.
ومَفْعُولُ (خَلَقَ) ومَفْعُولُ (سَوّى) مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما، أيْ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ.
وعُقِّبَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى زَوْجَيْنِ ومِنهُما يَكُونُ التَّناسُلُ أيْضًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُمْنى) بِالفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِـ (نُطْفَةٍ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ وصْفُ (مَنِيٍّ) .
وجُمْلَةُ (﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾) واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ لِأنَّ خَلْقَ جِسْمِ الإنْسانِ مِن عَدَمٍ وهو أمْرٌ ثابِتٌ بِضَرُورَةِ المُشاهَدَةِ، أحَقُّ بِالِاسْتِبْعادِ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى الجِسْمِ بَعْدَ المَوْتِ سَواءٌ بَقِيَ الجِسْمُ غَيْرَ ناقِصٍ أوْ نَقَصَ بَعْضُهُ أوْ مُعْظَمُهُ فَهو إلى بَثِّ الحَياةِ فِيهِ وإعادَةِ ما فَنِيَ مِن أجْزائِهِ أقَرَبُ مِن إيجادِ الجِسْمِ مِن عَدَمٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِلْمَنفِيِّ إنْكارَ تَقْرِيرٍ بِالإثْباتِ وهَذا غالِبُ اسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ أنْ تَقَعَ عَلى نَفْيٍ ما يُرادُ إثْباتُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّوْسِعَةِ عَلى المُقَرَّرِ إنْ أرادَ إنْكارًا كِنايَةً عَنْ ثِقَةِ المُتَكَلِّمِ بِأنَّ المُخاطَبَ لا يَسْتَطِيعُ الإنْكارَ.
وقَدْ جاءَ في هَذا الخِتامِ بِمُحَسِّنِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، فَإنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِإنْكارِ أنْ يَحْسَبَ المُشْرِكُونَ اسْتِحالَةَ البَعْثِ، وتَسَلْسَلَ الكَلامُ في ذَلِكَ بِأفانِينَ مِنَ الإثْباتِ والتَّهْدِيدِ والتَّشْرِيطِ والِاسْتِدْلالِ، إلى أنْ أفْضى إلى اسْتِنْتاجِ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى وهو المَطْلُوبُ الَّذِي قُدِّمَ في قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]) .
وتَعْمِيمُ المَوْتى في قَوْلِهِ (﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾) بَعْدَ جَرَيانِ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَلى خُصُوصِ الإنْسانِ الكافِرِ أوْ خُصُوصِ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، يَجْعَلُ جُمْلَةَ (﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾) تَذْيِيلًا.
* * *
(p-٣٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإنْسانِ
سُمِّيَتْ في زَمَنِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةُ (﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان: ١]) .
رَوى البُخارِيُّ في بابِ القِراءَةِ في الفَجْرِ مِن صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِـ (ألم السَّجْدَةِ) و(﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان»: ١]) .
واقْتَصَرَ صاحِبُ الإتْقانِ عَلى تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةِ الإنْسانِ) عِنْدَ ذِكْرِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ، ولَمْ يَذْكُرْها في عِدادِ السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
وتُسَمّى (سُورَةَ الدَّهْرِ) في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ تُسَمّى (سُورَةَ الأمْشاجِ)، لِوُقُوعِ لَفْظِ الأمْشاجِ فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها مِنَ القُرْآنِ.
وذَكَرَ الطُّبَرِسِيُّ: أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ الأبْرارِ)، لِأنَّ فِيها ذِكْرَ نَعِيمِ الأبْرارِ وذَكَرَهم بِهَذا اللَّفْظِ ولَمْ أرَهُ لِتَغَيُّرِهِ.
(p-٣٧٠)فَهَذِهِ خَمْسَةُ أسْماءٍ لِهَذِهِ السُّورَةِ.
واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ هي مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي طَلْحَةَ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ: هي مَكِّيَّةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّهُ كَذَلِكَ رَتَّبَها في مُصْحَفِهِ فِيما رَواهُ أبُو داوُدٍ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. وعَلى هَذا اقْتَصَرَ مُعْظَمُ التَّفاسِيرِ، ونَسَبَهُ الخَفاجِيُّ إلى الجُمْهُورِ.
ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وحُكِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا. وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ (﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]) إلى آخِرِها، أوْ قَوْلَهُ (﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٤]) إلَخْ. ولَمْ يَذْكُرْ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ الآياتِ مِن أيَّةِ سُورَةٍ كانَتْ تُعَدُّ في مَكَّةَ إلى أنْ نَزَلَتْ سُورَةُ الإنْسانِ بِالمَدِينَةِ وهَذا غَرِيبٌ. ولَمْ يُعَيِّنُوا أنَّهُ في أيَّةِ سُورَةٍ كانَ مَقْرُوءًا.
والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ فَإنَّ أُسْلُوبَها ومَعانِيَها جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ ولا أحْسَبُ الباعِثَ عَلى عَدِّها في المَدَنِيِّ إلّا ما رُوِيَ مِن أنَّ آيَةَ (﴿يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]) نَزَلَتْ في إطْعامِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ بِالمَدِينَةِ مِسْكِينًا لَيْلَةً، ويَتِيمًا أُخْرى، وأسِيرًا أُخْرى، ولَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أسْرى بِمَكَّةَ حَمْلًا لِلَفْظِ أسِيرٍ عَلى مَعْنى أسِيرِ الحَرْبِ، أوْ ما رُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ في أبِي الدَّحْداحِ وهو أنْصارِيُّ، وكَثِيرًا ما حَمَلُوا نُزُولَ الآيَةِ عَلى مُثُلٍ تَنْطَبِقُ عَلَيْها مَعانِيها فَعَبَّرُوا عَنْها بِأسْبابِ نُزُولٍ كَما بَيَّناهُ في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ.
وعَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ الثّامِنَةَ والتِسْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. وقالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ وقَبْلَ سُورَةِ الطَّلاقِ. وهَذا جَرْيٌ عَلى ما رَآهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
فَإذا كانَ الأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ أخْذًا بِتَرْتِيبِ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتَكُونُ الثَلاثِينَ أوِ الحادِيَةَ والثَلاثِينَ وجَدِيرَةً بِأنْ تُعَدَّ قَبْلَ سُورَةِ القِيامَةِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَسْبَما ورَدَ في تَرْتِيبِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
رَوى أبُو داوُدَ في بابِ تَحْزِيبِ القُرْآنِ مِن سُنَنِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ النَّظائِرَ السُّورَتَيْنِ وعَدَّ سُوَرًا، فَقالَ: وهَلْ أتى، و(﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]) في رَكْعَةٍ» . قالَ أبُو داوُدَ: هَذا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ - أيْ تَأْلِيفُ مُصْحَفِهِ -: واتَّفَقَ العادُّونَ عَلى عَدِّ آيَها إحْدى وثَلاثِينَ.
* * *
(p-٣٧١)أغْراضُها
التَّذْكِيرُ بِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ كُوِّنَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَكَيْفَ يَقْضِي بِاسْتِحالَةِ إعادَةِ تَكْوِينِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ.
وإثْباتُ أنَّ الإنْسانَ مَحْقُوقٌ بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا لِخالِقِهِ، ومُحَذَّرٌ مِنَ الإشْراكِ بِهِ.
وإثْباتُ الجَزاءِ عَلى الحالَيْنِ مَعَ شَيْءٍ مِن وصْفِ ذَلِكَ الجَزاءِ بِحالَتَيْهِ والإطْنابِ في وصْفِ جَزاءِ الشّاكِرِينَ.
وأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ الِامْتِنانُ عَلى النّاسِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإدْراكِ والِامْتِنانُ بِما أُعْطِيَهُ الإنْسانُ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ وإرْشادِهِ إلى الخَيْرِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ فَمِنَ النّاسِ مَن شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ ومِنهم مَن كَفَرَها فَعَبَدَ غَيْرَهُ.
وتَثْبِيتُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى القِيامِ بِأعْباءِ الرِّسالَةِ والصَّبْرِ عَلى ما يَلْحَقُهُ في ذَلِكَ، والتَّحْذِيرُ مِن أنْ يَلِينَ لِلْكافِرِينَ، والإشارَةُ إلى أنَّ الِاصْطِفاءَ لِلرِّسالَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَسْتَحِقُّ اللَّهُ الشُّكْرَ عَلَيْها بِالِاضْطِلاعِ بِما اصْطَفاهُ لَهُ وبِالإقْبالِ عَلى عِبادَتِهِ.
والأمْرُ بِالإقْبالِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ في أوْقاتٍ مِنَ النَّهارِ.
{"ayahs_start":37,"ayahs":["أَلَمۡ یَكُ نُطۡفَةࣰ مِّن مَّنِیࣲّ یُمۡنَىٰ","ثُمَّ كَانَ عَلَقَةࣰ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ","فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَیۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰۤ","أَلَیۡسَ ذَ ٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰۤ أَن یُحۡـِۧیَ ٱلۡمَوۡتَىٰ"],"ayah":"ثُمَّ كَانَ عَلَقَةࣰ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











