الباحث القرآني
﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، أيْ: تَعْلِيلًا لِلرَّبْطِ الَّذِي بَيْنَ الأمْرِ وجَزائِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح: ٣] إلى قَوْلِهِ ويُؤَخِّرْكم إلَخْ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الأمْرِ وجَوابِهِ يُعْطِي بِمَفْهُومِهِ مَعْنى: إنْ لا تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تَتَّقُوهُ ولا تُطِيعُونِي لا يَغْفِرْ لَكم ولا يُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَعُلِّلَ هَذا (p-١٩١)الرَّبْطُ والتَّلازُمُ بَيْنَ هَذا الشَّرْطِ المُقَدَّرِ وبَيْنَ جَزائِهِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، أيْ: أنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِحُلُولِ العَذابِ بِكم إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِ إذا جاءَ إبّانُهُ بِاسْتِمْرارِكم عَلى الشِّرْكِ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ساعَتَئِذٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]، فَيَكُونُ هَذا حَثًّا عَلى التَّعْجِيلِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ.
فالأجَلُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ويُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المُقْتَضِي أنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِآجالِ الأُمَمِ المُعَيَّنَةِ لِاسْتِئْصالِهِمْ، وأمّا عَدَمُ تَأْخِيرِ آجالِ الأعْمارِ عِنْدَ حُلُولِها فَمَعْلُومٌ لِلنّاسِ مَشْهُورٌ في كَلامِ الأوَّلِينَ. وفي إضافَةِ (أجَلَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ الأجَلُ المُعْتادُ بَلْ هو أجَلٌ عَيَّنَهُ اللَّهُ لِلْقَوْمِ إنْذارًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَحْدِيدِ غايَةِ تَأْخِيرِهِمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أيْ: دُونَ تَأْخِيرِهِمْ تَأْخِيرًا مُسْتَمِرًّا فَيَسْألُ السّامِعُ في نَفْسِهِ عَنْ عِلَّةِ تَنْهِيَةِ تَأْخِيرِهِمْ بِأجَلٍ آخَرَ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِكِلا الأجَلَيْنِ: الأجَلُ المُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَإنَّ لَفْظَ ”قَبْلِ“ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلَهُ أجَلٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، والأجَلُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ صادِقًا عَلى الأجَلِ المُسَمّى وهو أجَلُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ القَوْمِ.
وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ إضافَةُ كَشْفٍ، أيِ: الأجَلُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ لِكُلِّ أحَدٍ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَعارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ إمّا لِاخْتِلافِ المُرادِ بِلَفْظَيِ (الأجَلِ) في قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، وإمّا لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيِ التَّأْخِيرِ في قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ فانْفَكَّتْ جِهَةُ التَّعارُضِ.
(p-١٩٢)أمّا مَسْألَةُ تَأْخِيرِ الآجالِ والزِّيادَةِ في الأعْمارِ والنَّقْصِ مِنها وتَوْحِيدِ الأجَلِ عِنْدَنا واضْطِرابِ أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ في هَلْ لِلْإنْسانِ أجَلٌ واحِدٌ أوْ أجَلانِ ؟ فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ أُخْرى تَرْتَبِطُ بِأصْلَيْنِ: أصْلِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِما سَيَكُونُ، وأصْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْأسْبابِ وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتُها عَلَيْها.
فَأمّا ما في عِلْمِ اللَّهِ فَلا يَتَغَيَّرُ قالَ تَعالى ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] أيْ: في عِلْمِ اللَّهِ، والنّاسُ لا يَطَّلِعُونَ عَلى ما في عِلْمِ اللَّهِ.
وأمّا وُجُودُ الأسْبابِ كُلِّها كَأسْبابِ الحَياةِ، وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتِها عَلَيْها فَيَتَغَيَّرُ بِإيجادِ اللَّهِ مُغَيِّراتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ إكْرامًا لِبَعْضِ عِبادِهِ أوْ إهانَةً لِبَعْضٍ آخَرَ. وفي الحَدِيثِ ”«صَدَقَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» “ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ. وعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ في عُمُرِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولْيَصِلْ رَحِمَهُ» وسَنَدُهُ جَيِّدٌ، فَآجالُ الأعْمارِ المُحَدَّدَةِ بِالزَّمانِ أوْ بِمِقْدارِ قُوَّةِ الأعْضاءِ وتَناسُبِ حَرَكَتِها قابِلَةٌ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وآجالُ العُقُوباتِ الإلَهِيَّةِ المُحَدَّدَةِ بِحُصُولِ الأعْمالِ المُعاقَبِ عَلَيْها بِوَقْتٍ قَصِيرٍ أوْ فِيهِ مُهْلَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلتَّأْخِيرِ وهي ماصْدَقَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] عَلى أظْهَرِ التَّأْوِيلاتِ فِيهِ وما في عِلْمِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ لا يُخالِفُ ما يَحْصُلُ في الخارِجِ.
فالَّذِي رَغَّبَ نُوحٌ قَوْمَهُ فِيهِ هو سَبَبُ تَأْخِيرِ آجالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَلَوْ فَعَلُوهُ تَأخَّرَتْ آجالُهم وبِتَأْخِيرِها يَتَبَيَّنُ أنْ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَعْمَلُونَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ آجالَهم تَطُولُ، وإذْ لَمْ يَفْعَلُوهُ فَقَدْ كَشَفَ لِلنّاسِ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ اللَّهَ قاطِعُ آجالِهِمْ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءُ ﷺ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ إلى ما خُلِقَ لَهُ» وقَدِ اسْتَعْصى فَهْمُ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَخَلَطُوا بَيْنَ ما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ وما أظْهَرَهُ قَدَرُ اللَّهَ في الخارِجِ الوُجُودِيِّ.
وفِي إقْحامِ فِعْلِ (كُنْتُمْ) قَبْلَ (تَعْلَمُونَ) إيذانٌ بِأنَّ عَمَلَهم بِذَلِكَ المُنْتَفِي لِوُقُوعِهِ شَرْطًا لِحَرْفِ (لَوْ) مُحَقَّقٌ انْتِفاؤُهُ كَما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] في سُورَةِ يُونُسَ.
(p-١٩٣)وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: لَأيْقَنْتُمْ أنَّهُ لا يُؤَخَّرُ.
{"ayah":"یَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَیُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَاۤءَ لَا یُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











