الباحث القرآني
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
هَذا التَّفْرِيعُ المَقْصُودُ عَلى التَّكالِيفِ السّابِقَةِ وخاصَّةً عَلى قَوْلِهِ (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]) وهو نَتِيجَةُ ما مَهَّدَ لَهُ بِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨]) .
وفِي نِداءِ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ (أُولِي الألْبابِ) إيماءٌ إلى أنَّ العُقُولَ الرّاجِحَةَ تَدْعُو إلى تَقْوى اللَّهِ لِأنَّها كَمالٌ نَفْسانِيٌّ، ولِأنَّ فَوائِدَها حَقِيقِيَّةٌ دائِمَةٌ، ولِأنَّ بِها اجْتِنابَ المَضارِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ تَعالى (﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣])، وقَوْلُهُ (أُولِي) مَعْناهُ ذَوِي، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]) آنِفًا، و(﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) بَدَلٌ مِن (أُولِي الألْبابِ) . وهَذا الِاتِّباعُ يُومِئُ إلى أنَّ قَبُولَهُمُ الإيمانَ عُنْوانٌ عَلى رَجاحَةِ عُقُولِهِمْ. والإتْيانُ بِصِلَةِ المَوْصُولِ إشْعارٌ بِأنَّ الإيمانَ سَبَبٌ لِلتَّقْوى وجامِعٌ لِمُعْظَمِها ولَكِنَّ لِلتَّقْوى دَرَجاتٍ هي الَّتِي أُمِرُوا بِأنْ يُحِيطُوا بِها.
* * *
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيَّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١] .
فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى لِأنَّ إنْزالَ الكِتابِ نَفْعٌ عَظِيمٌ لَهم مُسْتَحِقٌّ شُكْرَهم عَلَيْهِ.
(p-٣٣٧)وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ وبَعَثِ النُّفُوسِ عَلى تَصَفُّحِ هَذا الكِتابِ ومُتابَعَةِ إرْشادِ الرَّسُولِ ﷺ .
والذِّكْرُ: القُرْآنُ. وقَدْ سُمِّيَ بِالذِّكْرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَذْكِيرَ النّاسِ بِما هم في غَفْلَةٍ عَنْهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَنْها مِن حُسْنِ السُّلُوكِ، ثُمَّ تَذْكِيرَهم بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّكالِيفِ وبَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنْزالُ القُرْآنِ تَبْلِيغُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِواسِطَةِ المَلَكِ واسْتُعِيرَ لَهُ الإنْزالُ لِأنَّ الذِّكْرَ مُشَبَّهٌ بِالشَّيْءِ المَرْفُوعِ في السَّماواتِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وجُعِلَ إنْزالُ الذِّكْرِ إلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ وعَلِمُوا بِما فِيهِ فَخُصِّصُوا هُنا مِن بَيْنِ جَمِيعِ الأُمَمِ لِأنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ.
وقَوْلُهُ (﴿رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١١]) بَدَلٌ مِن (ذِكْرًا) بَدَلُ اشْتِمالٍ لِأنَّ بَيْنَ القُرْآنِ والرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُلازَمَةً ومُلابَسَةً فَإنَّ الرِّسالَةَ تَحَقَّقَتْ لَهُ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَقَدْ أُعْمِلَ فِعْلُ (أنْزَلَ) في (رَسُولًا) تَبَعًا لِإعْمالِهِ في المُبْدَلِ مِنهُ بِاعْتِبارِ هَذِهِ المُقارَنَةِ واشْتِمالِ مَفْهُومِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلى مَفْهُومِ الآخَرِ. وهَذا كَما أُبْدِلَ (﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢]) مِن قَوْلِهِ (﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]) في سُورَةِ البَيِّنَةِ.
والرَّسُولُ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأمّا تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِجِبْرِيلَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ لِتَصْحِيحِ إبْدالِ (﴿رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١١]) مِنهُ فَفِيهِ تَكَلُّفاتٌ لا داعِيَ إلَيْها فَإنَّهُ لا مَحِيصَ عَنِ اعْتِبارِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، ولا يَسْتَقِيمُ وصَفُ جِبْرِيلَ بِأنَّهُ يَتْلُو عَلى النّاسِ الآياتِ فَإنَّ مَعْنى التِّلاوَةِ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِجِبْرِيلَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١١]) مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أنْزَلَ اللَّهُ وتَقْدِيرُهُ: وأرْسَلَ إلَيْكم رَسُولًا، ويَكُونُ حَذْفُهُ إيجازًا إلّا أنَّ الوَجْهَ السّابِقَ أبْلَغُ وأوْجَزُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُبَيِّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِها ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وجُعِلَتْ عِلَّةُ إنْزالِ الذِّكْرِ إخْراجَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنْ (p-٣٣٨)كانَتْ عِلَّةُ إنْزالِهِ إخْراجَ جَمِيعِ النّاسِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ وفَسادِ الأعْمالِ إلى نُورِ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، نَظَرًا لِخُصُوصِ الفَرِيقِ الَّذِي انْتَفَعَ بِهَذا الذِّكْرِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِدالٍّ عَلى أنَّ العِلَّةَ مَقْصُورَةٌ عَلى هَذا الفَرِيقِ ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْصِيصٍ بِالذِّكْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنها أوَّلُ سُورَةِ الأعْرافِ.
{"ayah":"أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰاۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَیۡكُمۡ ذِكۡرࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











