الباحث القرآني
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مِن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) . والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولَمْ يَسْتَمِعُوا لَها، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ - بِمَنزِلَةِ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظُلُماتٍ لا يَهْتَدُونَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والواوُ اسْتِئْنافِيَّةً، أيْ عاطِفَةً كَلامًا مُبْتَدَأً لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِجُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ ولَكِنَّهُ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ مِن مَخْلُوقاتِهِ وآثارِ قُدْرَتِهِ ما شَأْنُهُ أنْ يُعَرِّفَ النّاسَ بِوَحْدانِيَّتِهِ ويَدُلَّهم عَلى آياتِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ أعْقَبَهُ بِبَيانِ أنَّ المُكَذِّبِينَ في ضَلالٍ مُبِينٍ عَنِ الِاهْتِداءِ لِذَلِكَ، وعَنِ التَّأمُّلِ والتَّفْكِيرِ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُناسِبَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ (وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ) الآيَةَ. قَدْ تَعَرَّضْنا إلَيْها آنِفًا.
والمُرادُ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا المُشْرِكُونَ الَّذِينَ مَضى الكَلامُ عَلى أحْوالِهِمْ عُمُومًا وخُصُوصًا.
وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ضَلالِ عَقائِدِهِمْ والِابْتِعادِ عَنِ الِاهْتِداءِ بِحالِ قَوْمٍ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظَلامٍ. فالصَّمَمُ يَمْنَعُهم مِن تَلَقِّي هُدى مَن يَهْدِيهِمْ، (p-٢١٩)والبَكَمُ يَمْنَعُهم مِنَ الِاسْتِرْشادِ مِمَّنْ يَمُرُّ بِهِمْ، والظَّلامُ يَمْنَعُهم مِنَ التَّبَصُّرِ في الطَّرِيقِ أوِ المَنفَذِ المُخْرِجِ لَهم مِن مَأْزِقِهِمْ.
وإنَّما قِيلَ في الظُّلُماتِ ولَمْ يُوصَفُوا بِأنَّهم عُمْيٌ كَما في قَوْلِهِ ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] لِيَكُونَ لِبَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها ما يَصْلُحُ لِشَبَهِ بَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ فَإنَّ الكُفْرَ الَّذِي هم فِيهِ والَّذِي أصارَهم إلى اسْتِمْرارِ الضَّلالِ يُشْبِهُ الظُّلُماتِ في الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الدّاخِلِ فِيهِ وبَيْنَ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ. وفي الحَدِيثِ «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ» . فَهَذا التَّمْثِيلُ جاءَ عَلى أتَمِّ شُرُوطِ التَّمْثِيلِ. وهو قَبُولُهُ لِتَفْكِيكِ أجْزاءِ الهَيْئَتَيْنِ إلى تَشْبِيهاتٍ مُفْرَدَةٍ، كَقَوْلِبَشّارٍ:
؎كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهْ
وجَمْعُ الظُّلُماتِ جارٍ عَلى الفَصِيحِ مِن عَدَمِ اسْتِعْمالِ الظُّلْمَةِ مُفْرَدًا. وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُلْمَةِ الكُفْرِ، وظُلْمَةِ الجَهْلِ، وظُلْمَةِ العِنادِ.
وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ خَبَرٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ في الظُّلُماتِ خَبَرٌ ثالِثٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ في الأخْبارِ المُتَعَدِّدَةِ ما يَجُوزُ في النُّعُوتِ المُتَعَدِّدَةِ مِنَ العَطْفِ وتَرْكِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ حالَهُمُ العَجِيبَةَ تُثِيرُ سُؤالًا وهو أنْ يَقُولَ قائِلٌ ما بالُهم لا يَهْتَدُونَ مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّناتِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهم فَلا يَهْتَدُونَ، وأنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، فَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ هم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ إضْلالَهم عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِالحَذْفِ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ، وهَذا مُرْتَبِطٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] .
ومَعْنى إضْلالِ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ الضَّلالَ؛ بِأنْ يَخْلُقَ الضّالَّ بِعَقْلٍ قابِلٍ لِلضَّلالِ مُصِرٍّ عَلى ضَلالِهِ عَنِيدٍ عَلَيْهِ فَإذا أخَذَ في مَبادِئِ الضَّلالِ كَما يَعْرِضُ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَوَعَظَهُ واعِظٌ أوْ خَطَرَ لَهُ في نَفْسِهِ خاطِرٌ أنَّهُ عَلى ضَلالٍ مَنَعَهُ إصْرارُهُ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ فَلا يَزالُ يَهْوِي بِهِ في مَهاوِي الضَّلالَةِ حَتّى يَبْلُغَ بِهِ إلى غايَةِ التَّخَلُّقِ بِالضَّلالِ فَلا يَنْكَفُّ عَنْهُ. وهَذا مِمّا أشارَ (p-٢٢٠)إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يَكُونَ صِدِّيقًا وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» . وكُلُّ هَذا مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّكْوِينِ والخَلْقِ وهو تَصَرُّفُ القَدَرِ. ولَهُ اتِّصالٌ بِنامُوسِ التَّسَلْسُلِ في تَطَوُّرِ أحْوالِ البَشَرِ في تَصَرُّفاتٍ بِعُقُولِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، وهي سِلْسِلَةٌ بَعِيدَةُ المَدى اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى في تَدْبِيرِ نِظامِ هَذا العالَمِ، ولا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ هَذا الإضْلالُ بِالأمْرِ بِالضَّلالِ فَإنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ولا بِتَلْقِينِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ وتَسْهِيلِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ، كَما أنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَمَ مَن أرادَ إضْلالَهُ مِنِ انْتِشالِهِ واللُّطْفِ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلُ مَن هو أعْلَمُ بِأهْلِهِ. ومَفْعُولُ (يَشَأْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، كَما هو الشّائِعُ في مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ الواقِعِ شَرْطًا.
والصِّراطُ هو الطَّرِيقُ البَيِّنُ. ومَعْنى المُسْتَقِيمُ أنَّهُ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، لِأنَّ السَّيْرَ في الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أيْسَرُ عَلى السّائِرِ وأقْرَبُ وُصُولًا إلى المَقْصُودِ.
ومَعْنى (عَلى) الِاسْتِعْلاءُ. وهو اسْتِعْلاءُ السّائِرِ عَلى الطَّرِيقِ. فالكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فَمَنَّ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ يَرْعَوِي مِن غَيِّهِ ويُصْغِي إلى النَّصِيحَةِ فَلا يَقَعُ في الفَسادِ فاتَّبَعَ الدِّينَ الحَقَّ، بِحالِ السّائِرِ في طَرِيقٍ واضِحَةٍ لا يَتَحَيَّرُ ولا يُخْطِئُ القَصْدَ، ومُسْتَقِيمَةٌ لا تُطَوِّحُ بِهِ في طُولِ السَّيْرِ. وهَذا التَّمْثِيلُ أيْضًا صالِحٌ لِتَشْبِيهِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فالدِّينُ يُشْبِهُ الصِّراطَ المُوَصِّلَ بِغَيْرِ عَناءٍ، والهَدْيُ إلَيْهِ شَبِيهُ الجَعْلِ عَلى الصِّراطِ.
{"ayah":"وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا صُمࣱّ وَبُكۡمࣱ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِۗ مَن یَشَإِ ٱللَّهُ یُضۡلِلۡهُ وَمَن یَشَأۡ یَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











