الباحث القرآني
﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
لَمّا حَذَّرَ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مَهْواةِ نِسْيانِ اللَّهِ الَّتِي وقَعَ فِيها الفاسِقُونَ وتَوَعَّدَ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ بِالنّارِ، وبَيَّنَ حالَهم بِأنَّ الشَّيْطانَ سَوَّلَ لَهُمُ الكُفْرَ. وكانَ القُرْآنُ (p-١١٦)دالًّا عَلى مَسالِكِ الخَيْرِ ومُحَذِّرًا مِن مَسالِكِ الشَّرِّ، وما وقَعَ الفاسِقُونَ في الهَلَكَةِ إلّا مِن جَرّاءِ إهْمالِهِمُ التَّدَبُّرَ فِيهِ، وذَلِكَ مِن نِسْيانِهِمُ اللَّهَ تَعالى انْتَقَلَ الكَلامُ إلى التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وهَدْيِهِ البَيِّنِ الَّذِي لا يَصْرِفُ النّاسَ عَنْهُ إلّا أهْواءُهم ومُكابَرَتُهم، وكانَ إعْراضُهم عَنْهُ أصْلَ اسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَعْجِيبًا مِن تَصَلُّبِهِمْ في الضَّلالِ.
وفِي هَذا الِانْتِقالِ إيذانٌ بِانْتِهاِءِ السُّورَةِ لِأنَّهُ انْتِقالٌ بَعْدَ طُولِ الكَلامِ في غَرَضِ فَتْحِ قُرى اليَهُودِ وما يَنالُ المُنافِقِينَ مِن جَرّائِهِ مِن خُسْرانٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وهَذا القُرْآنُ إشارَةٌ إلى المِقْدارِ الَّذِي نَزَلَ مِنهُ، وهو ما عَرِفُوهُ وتَلَوْهُ وسَمِعُوا تِلاوَتَهُ.
وفائِدَةُ الإتْيانِ بِاسْمِ إشارَةِ القَرِيبِ التَّعْرِيضُ لَهم بِأنَّ القُرْآنَ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْهم. وأنَّهُ في مُتَناوُلِهِمْ ولا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ في تَدَبُّرِهِ ولَكِنَّهم قَصَدُوا الإعْراضَ عَنْهُ.
وهَذا مَثَلٌ ساقَهُ اللَّهُ تَعالى كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وتِلْكَ الأمْثالُ) إلَخْ. وقَدْ ضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِقَسْوَةِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وانْتِفاءِ تَأثُّرِهِمْ بِقَوارِعِ القُرْآنِ.
والمُرادُ بِالجَبَلِ: حَقِيقَتُهُ، لِأنَّ الكَلامَ فَرْضٌ وتَقْدِيرٌ كَما هو مُقْتَضى (لَوْ) أنْ تَجِيءَ في الشُّرُوطِ المَفْرُوضَةِ.
فالجَبَلُ: مِثالٌ لِأشَدِّ الأشْياءِ صَلابَةً وقِلَّةَ تَأثُّرٍ بِما يَقْرَعُهُ. وإنْزالُ القُرْآنِ مُسْتَعارٌ لِلْخِطابِ بِهِ. عَبَّرَ عَنْهُ بِالإنْزالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّبَعِيَّةِ تَشْبِيهًا لِشَرَفِ الشَّيْءِ بِعُلُوِّ المَكانِ، ولِإبْلاغِهِ لِلْغَيْرِ بِإنْزالِ الشَّيْءِ مِن عُلُوٍّ.
والمَعْنى: لَوْ كانَ المُخاطَبُ بِالقُرْآنِ جَبَلًا، وكانَ الجَبَلُ يَفْهَمُ الخِطابَ لَتَأثَّرَ بِخِطابِ القُرْآنِ تَأثُّرًا ناشِئًا مِن خَشْيَةٍ لِلَّهِ خَشْيَةٍ تُؤَثِّرُها فِيهِ مَعانِيَ القُرْآنِ.
والمَعْنى: لَوْ كانَ الجَبَلُ في مَوْضِعِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ وأعْرَضُوا عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِمَواعِظِهِ لاتَّعَظَ الجَبَلُ وتَصَدَّعَ صَخْرُهُ وتُرْبُهُ مِن شِدَّةِ تَأثُّرِهِ بِخَشْيَةِ اللَّهِ.
وضَرَبَ التَّصَدُّعَ مَثَلًا لِشِدَّةِ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ لِأنَّ مُنْتَهى تَأثُّرِ الأجْسامِ الصُّلْبَةِ أنْ تَنْشَقَّ وتَتَصَدَّعَ إذْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ لَها بِسُهُولَةٍ.
(p-١١٧)والخُشُوعُ: التَّطَأْطُؤُ والرُّكُوعُ، أيْ لَرَأيْتَهُ يَنْزِلُ أعْلاهُ إلى الأرْضِ.
والتَّصَدُّعُ: التَّشَقُّقُ، أيْ لَتَزَلْزَلَ وتَشَقَّقَ مِن خَوْفِهِ اللَّهَ تَعالى.
والخِطابُ في لَرَأيْتَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وهي مَنفِيَّةٌ لِوِقُوعِها جَوابًا لِحَرْفِ (لَوِ) الِامْتِناعَيَّةِ.
والمَعْنى: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَرَأيْتَ الجَبَلَ في حالَةِ الخُشُوعِ والتَّصَدُّعِ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ تَذْيِيلٌ لِأنَّ ما قَبْلَها سِيقَ مَساقَ المَثَلِ فَذُيِّلَ بِأنَّ الأمْثالَ الَّتِي يَضْرِبُها اللَّهُ في كَلامِهِ مِثْلُ المَثَلِ أرادَ مِنها أنْ يَتَفَكَّرُوا فَإنْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا بِها فَقَدْ سُجِّلَ عَلَيْهِمْ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم، فالإشارَةُ بِتِلْكَ إلى مَجْمُوعِ ما مَرَّ عَلى أسْماعِهِمْ مِنَ الأمْثالِ الكَثِيرَةِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ضَرَبْنا هَذا مَثَلًا، وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ.
وضَرْبُ المَثَلِ سَوْقُهُ، أطْلَقَ عَلَيْهِ الضَّرْبَ بِمَعْنى الوَضْعِ كَما يُقالُ: ضَرَبَ بَيْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
{"ayah":"لَوۡ أَنزَلۡنَا هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلࣲ لَّرَأَیۡتَهُۥ خَـٰشِعࣰا مُّتَصَدِّعࣰا مِّنۡ خَشۡیَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











