الباحث القرآني
﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾، مَوْقِعُها كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] في أنَّها اسْتِدْلالٌ بِإفْنائِهِ ما أوْجَدَهُ عَلى انْفِرادِهِ بِالتَّصَرُّفِ إيجادًا وإعْدامًا، تَكْمِلَةً لِدَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَجَعَلْناهُ مُفِيدَةٌ لِلتَّأكِيدِ. ويَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْ بِهَذِهِ اللّامِ إذا كانَ ماضِيًا مُثْبَتًا كَما يَكْثُرُ تَجَرُّدُهُ عَنْها كَما سَيَجِيءُ في الآيَةِ المُوالِيَةِ لِهَذِهِ.
والحُطامُ: الشَّيْءُ الَّذِي حَطَّمَهُ حاطِمٌ، أيْ كَسَّرَهُ ودَقَّهُ فَهو بِمَعْنى المَحْطُومِ، (p-٣٢٢)كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ زِنَةُ فُعالٍ مِثْلُ الفُتاتِ، والجُذادِ والدُّقاقِ، وكَذَلِكَ المُقْتَرِنُ مِنهُ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كالقُصاصَةِ والقُلامَةِ والكُناسَةِ والقُمامَةِ.
والمَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا ما يَنْبُتُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الأرْضِ حُطامًا بِأنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِ ما يُحَطِّمُهُ مِن بَرَدٍ أوْ رِيحٍ أوْ حَشَراتٍ قَبْلَ أنْ تَنْتَفِعُوا بِهِ، فالمُرادُ جَعْلُهُ حُطامًا قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِهِ. وأمّا أنْ يُؤَوَّلَ إلى الكَوْنِ حُطامًا فَذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلا يَكُونُ مَشْرُوطًا بِحَرْفِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى جَعْلِهِ حُطامًا أنْ تَصِيرُوا تَقُولُونَ: إنّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، فَفِعْلُ ظَلْتُمْ هُنا بِمَعْنى: صِرْتُمْ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ.
وأعْضَلَ وقْعُ فِعْلِ تَفَكَّهُونَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ: تَفَكَّهُونَ تَعْجَبُونَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: تَتَلاوَمُونَ، وعَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ: تَنْدَمُونَ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: تَحْزَنُونَ، وقالَ الكِسائِيُّ: هو تَلَهُّفٌ عَلى ما فاتَ وهو - أيْ فِعْلُ تَفَكَّهُونَ - مِنَ الأضْدادِ تَقُولُ العَرَبُ: تَفَكَّهْتُ، أيْ تَنَعَّمْتُ، وتَفَكَّهْتُ، أيْ حَزِنْتُ اهـ.
ذَلِكَ أنَّ فِعْلَ تَفَكَّهُونَ مِن مادَّةِ فَكِهَ والمَشْهُورُ أنَّ هَذِهِ المادَّةَ تَدُلُّ عَلى المَسَرَّةِ والفَرَحِ ولَكِنَّ السِّياقَ سِياقُ ضِدِّ المَسَرَّةِ، وبَيانُهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فالفُكاهَةُ: المَسَرَّةُ والِانْبِساطُ، وادَّعى الكِسائِيُّ أنَّها مِن أسْماءِ الأضْدادِ واعْتَمَدَهُ في القامُوسِ إذْ قالَ: وتَفَكَّهَ، أكَلَ الفاكِهَةَ وتَجَنَّبَ عَنِ الفاكِهَةِ ضِدُّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ أيْ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ لا يَخُصُّ اللَّفْظَةَ - أيْ هو تَفْسِيرٌ بِحاصِلِ المَعْنى دُونَ مَعانِي الألْفاظِ والَّذِي يَخُصُّ اللَّفْظَةَ هو تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ كَذا ولَعَلَّ صَوابَهُ الفُكاهَةُ عَنْ أنْفُسِكم وهي المَسَرَّةُ والجَذَلُ، ورَجُلٌ فَكِهٌ، إذا كانَ مُنْبَسِطَ النَّفْسِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِشَيْءٍ اهـ. يَعْنِي أنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ فِيهِ مُطاوَعَةُ فَعَّلَ الَّذِي تَضْعِيفُهُ لِلْإزالَةِ مِثْلَ قَشَّرَ العُودَ وقَرَّدَ البَعِيرَ، وأثْبَتَ صاحِبُ القامُوسِ هَذا القَوْلَ ونَسَبَهُ إلى ابْنِ عَطِيَّةَ.
(p-٣٢٣)وجَعَلُوا جُمْلَةَ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ تَنَدُّمًا وتَحَسُّرًا، أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ حَطْمَ زَرْعِكم حِرْمانًا مِنَ اللَّهِ جَزاءً لِكُفْرِكم، ومَعْنى مُغْرَمُونَ مِنَ الغَرامِ وهو الهَلاكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] . وهَذا شَبِيهٌ بِما في سُورَةِ القَلَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] .
فَتَحَصَّلَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى ظاهِرِ مادَّةِ فَعَّلَ تَفَكَّهُونَ ويَكُونُ ذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِمْ حَمْلًا لَهم عَلى مُعْتادِ أخْلاقِهِمْ مِنَ الهَزْلِ بِآياتِ اللَّهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ عَنْهم ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمَلُ الآيَةِ عَلى جَعْلِ تَفَكَّهُونَ بِمَعْنى تَنْدَمُونَ وتَحْزَنُونَ، ولِذَلِكَ كانَ لِفِعْلِ تَفَكَّهُونَ هُنا وقْعٌ يُعَوِّضُهُ غَيْرُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ تَفَكَّهُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي هَمْزَةُ إنَّ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (أئِنّا) بِهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةُ (إنَّ) .
{"ayahs_start":65,"ayahs":["لَوۡ نَشَاۤءُ لَجَعَلۡنَـٰهُ حُطَـٰمࣰا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ","إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ","بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ"],"ayah":"لَوۡ نَشَاۤءُ لَجَعَلۡنَـٰهُ حُطَـٰمࣰا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











