الباحث القرآني
﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالنَّتِيجَةِ لِحاصِلِ القَصَصِ عَنِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَمَن ذُكِرَ بَعْدَهم ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وقَدْ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ مِن كَوْنِهِ مُوَجَّهًا لِلرَّسُولِ ﷺ إلى تَوْجِيهِهِ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَنْتَقِلَ عَنِ التَّعْرِيضِ إلى التَّصْرِيحِ اعْتِناءً بِمَقامِ الإنْذارِ والإبْلاغِ.
والاِسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى (p-٢١٠)حَقِيقَتِهِ، ويَكُونُ مِنَ المُحَسِّنِ البَدِيعِيِّ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ سَوْقَ المَعْلُومِ مَساقَ غَيْرِهِ وسَمّاهُ أهْلُ الأدَبِ مِن قَبْلِهِ بِ (تَجاهُلِ العارِفِ) . وعَدَلَ السَّكّاكِيُّ عَنْ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ وقالَ لِوُقُوعِهِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وهو هُنا لِلتَّوْبِيخِ كَما في قَوْلِ لَيْلى ابْنَةِ طَرِيفٍ الخارِجِيَّةِ تَرْثِي أخاها الوَلِيدَ بْنَ طَرِيفٍ الشَّيْبانِيَّ:
؎أيا شَجَرَ الخابُورِ مالَكَ مُورِقًا كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ
الشّاهِدُ في قَوْلِها: كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ إلَخْ.
والتَّوْبِيخُ عَلى تَخْطِئَتِهِمْ في عَدَمِ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِأمْثالِهِمْ حَتّى كَأنَّهم يَحْسَبُونَ كُفّارَهم خَيْرًا مِنَ الكُفّارِ الماضِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْ قِصَصِهِمْ، أيْ لَيْسَ لَهم خاصِّيَّةٌ تَرْبَأُ بِهِمْ عَنْ أنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ الكُفّارَ الماضِينَ. والمَعْنى: إنَّكم في عَدَمِ اكْتِراثِكم بِالمَوْعِظَةِ بِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ السّابِقَيْنِ لا تَخْلَوْنَ عَنْ أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ الَّذِي طَمْأنَكم مِن أنْ يُصِيبَكم مِثْلَما أصابَهم.
وأمْ لِلْإضْرابِ الاِنْتِقالِيِّ. وما يُقَدَّرُ بَعْدَها مِنِ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٍ في الإنْكارِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ ما لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ حَتّى تَكُونُوا آمَنِينَ مِنَ العِقابِ.
وضَمِيرُ كُفّارِكم لِأهْلِ مَكَّةَ وهم أنْفُسُهُمُ الكُفّارُ، فَإضافَةُ لَفْظِ كُفّارٍ إلى ضَمِيرِهِمْ إضافَةً بَيانِيَّةً لِأنَّ المُضافَ صِنْفٌ مِن جِنْسِ مَن أُضِيفَ هو إلَيْهِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ (مِنِ) البَيانِيَّةِ. والمَعْنى: الكُفّارُ مِنكم خَيْرٌ مِنَ الكُفّارِ السّالِفِينَ. أيْ أأنْتُمُ الكُفّارُ خَيْرٌ مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ.
والمُرادُ بِالأخْيَرِيَّةِ انْتِفاءُ الكُفْرِ، أيْ: خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ الاِنْتِقامُ الإلَهِيُّ وادِّعاءُ فارِقَ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ.
والبَراءَةُ: الخَلاصُ والسَّلامَةُ مِمّا يَضُرُّ أوْ يَشُقُّ أوْ يُكَلِّفُ كُلْفَةً. والمُرادُ هُنا: الخَلاصُ مِنَ المُؤاخَذَةِ والمُعاقَبَةِ.
والزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ، وزَبُورٌ بِمَعْنى مَزْبُورٍ، أيْ (بَراءَةٌ) كُتِبَتْ في كُتُبِ اللَّهِ السّالِفَةِ.
(p-٢١١)والمَعْنى: ألَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ أنَّ كُفّارَكم لا يَنالُهُمُ العِقابُ الَّذِي نالَ أمْثالَهم مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ.
و(في الزُّبُرِ) صِفَةُ (بَراءَةً)، أيْ: كائِنَةٌ في الزُّبُرِ، أيْ: مَكْتُوبَةٌ في صَحائِفِ الكُتُبِ.
وأفادَ هَذا الكِتابُ تَرْدِيدَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: إمّا الاِتِّصافُ بِالخَيْرِ الإلَهِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وإمّا المُسامَحَةُ والعَفْوُ عَمّا يَقْتَرِفُهُ المَرْءُ مِنَ السَّيِّئاتِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» .
والمَعْنى: انْتِفاءُ كِلا الأمْرَيْنِ عَنِ المُخاطَبِينَ فَلا مَأْمَنَ لَهم مِن حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ.
والآيَةُ تُؤْذِنُ بِارْتِقابِ عَذابٍ يَنالُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ، وذَلِكَ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] كَما تَقَدَّمَ، وعَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] .
{"ayah":"أَكُفَّارُكُمۡ خَیۡرࣱ مِّنۡ أُو۟لَـٰۤىِٕكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَاۤءَةࣱ فِی ٱلزُّبُرِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











