الباحث القرآني
(p-١٤٥)﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾
هَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ خالِقٌ الأزْواجَ مِنَ الإنْسانِ خَلْقًا بَدِيعًا مِن نُطْفَةٍ فَيَصِيرُ إلى خَصائِصِ نَوْعِهِ وحَسْبُكَ بِنَوْعِ الإنْسانِ تَفْكِيرًا أوْ مَقْدِرَةً وعَمَلًا، وذَلِكَ ما لا يَجْهَلُهُ المُخاطَبُونَ فَما كانَ ذِكْرُهُ إلّا تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وبِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِها بِالدَّلالَةِ عَلى عَجِيبِ تَكْوِينِ نَسْلِ الإنْسانِ، عُطِفَتْ عَلَيْها جُمْلَةُ وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى وإلّا لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى بِدُونِ عَطْفٍ وبِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ فِيها كَيْفِيَّةَ ابْتِداءِ الحَياةِ.
والمُرادُ بِالزَّوْجَيْنِ: الذَّكَرُ والأُنْثى مِن خُصُوصِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ لِلِاعْتِبارِ بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ وذَلِكَ أشَدُّ اتِّفاقًا في خِلْقَةِ الإنْسانِ، ولِأنَّ اعْتِبارَ النّاسِ بِما في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ أقْرَبُ وأمْكَنُ ولِأنَّ بَعْضَ الأزْواجِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ لا يَتَخَلَّقُ مِن نُطْفَةٍ بَلْ مِن بَيْضٍ وغَيْرِهِ.
ولَعَلَّ وجْهَ ذِكْرِ الزَّوْجَيْنِ والبَدَلِ مِنهُ الذَّكَرَ والأُنْثى دُونَ أنْ يَقُولَ: وأنَّهُ خَلَقَهُ، أيِ: الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٥] الآيَةَ أمْرانِ: أحَدُهُما: إدْماجُ الِامْتِنانِ في أثْناءِ ذِكْرِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ بِنِعْمَةِ أنْ خَلَقَ لِكُلِّ إنْسانٍ زَوْجَةً كَما قالَ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ [الروم: ٢١] الآيَةَ.
الثّانِي: الإشارَةُ إلى أنَّ لِكِلا الزَّوْجَيْنِ حَظًّا مِنَ النُّطْفَةِ الَّتِي مِنها يُخْلَقُ الإنْسانُ فَكانَتْ لِلذَّكَرِ نُطْفَةٌ ولِلْمَرْأةِ نُطْفَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ «إذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ أشْبَهَ المَوْلُودُ أباهُ، وإنْ سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ أشْبَهَ المَوْلُودُ أُمَّهُ»، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى نُطْفَةً وإنْ كانَ المُتَعارَفُ عِنْدَ النّاسِ قَبْلَ القُرْآنِ أنَّ النُّطْفَةَ (p-١٤٦)هِيَ ماءُ الرَّجُلِ إلّا أنَّ القُرْآنَ يُخاطِبُ النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ ويُشِيرُ إلى ما لا يَعْلَمُونَ إلى أنْ يَفْهَمَهُ المُتَدَبِّرُونَ.
وحَسْبُكَ ما وقَعَ بَيانُهُ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا.
والنُّطْفَةُ: فُعْلَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن: نَطَفَ الماءُ، إذا قَطَرَ، فالنُّطْفَةُ ماءٌ قَلِيلٌ وسُمِّي ما مِنهُ النَّسْلُ نُطْفَةً بِمَعْنى مَنطُوفٍ، أيْ: مَصْبُوبٌ فَماءُ الرَّجُلِ مَصْبُوبٌ، وماءُ المَرْأةِ أيْضًا مَصْبُوبٌ فَإنَّ ماءَ المَرْأةِ يَخْرُجُ مَعَ بُوَيْضَةٍ دَقِيقَةٍ تَتَسَرَّبُ مَعَ دَمِ الحَيْضِ وتَسْتَقِرُّ في كِيسٍ دَقِيقٍ فَإذا باشَرَ الذَّكَرُ الأُنْثى انْحَدَرَتْ تِلْكَ البَيْضَةُ مِنَ الأُنْثى واخْتَلَطَتْ مَعَ ماءِ الذَّكَرِ في قَرارَةِ الرَّحِمِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن نُطْفَةٍ“ ابْتِدائِيَّةٌ فَإنَّ خَلْقَ الإنْسانِ آتٍ وناشِئٌ بِواسِطَةِ النُّطْفَةِ، فَإذا تَكَوَّنَتِ النُّطْفَةُ وأُمْنِيَتِ ابْتَدَأ خَلْقُ الإنْسانِ.
و”تُمْنى“ تُدْفَقُ وفَسَّرُوهُ بِمَعْنى تُقْذَفُ أيْضًا.
وقِيلَ إنَّ (تُمْنى) بِمَعْنى تُراقُ، وجَعَلُوا تَسْمِيَةَ الوادِي الَّذِي بِقُرْبِ مَكَّةَ مِنًى؛ لِأنَّهُ تُراقُ بِهِ دِماءُ البُدْنِ مِنَ الهَدايا. ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعانِي مِنًى أوْ أمْنى أنَّ مِنها الإراقَةَ. وهَذا مِن مُشْكِلاتِ اللُّغَةِ.
ثُمَّ إنَّ ”تُمْنى“ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مُضارِعُ أمْنى بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ وسَقَطَتْ في المُضارِعِ فَوَزْنُهُ تُؤَفْعَلُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مُضارِعُ مَنى مِثْلُ رَمى فَوَزْنُهُ: تُفْعَلُ.
وبُنِيَ فِعْلُ ”تُمْنى“ إلى المَجْهُولِ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ تَدْفَعُها قُوَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ في الجِسْمِ خَفِيَّةٌ فَكانَ فاعِلُ الإمْناءِ مَجْهُولًا لِعَدَمِ ظُهُورِهِ.
وعَنِ الأخْفَشِ تُمْنى تُقَدَّرُ، يُقالُ: مَنى المانِي، أيْ: قَدَّرَ المُقَدِّرُ. والمَعْنى: إذا قُدِّرَ لَها، أيْ: قُدِّرَ لَها أنْ تَكُونَ مُخَلَّقَةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] .
والتَّقْيِيدُ بِ إذا تُمْنى لِما في اسْمِ الزَّمانِ مِنَ الإيذانِ بِسُرْعَةِ الخَلْقِ عِنْدَ دَفْقِ النُّطْفَةِ في رَحِمِ المَرْأةِ فَإنَّهُ عِنْدَ التِقاءِ النُّطْفَتَيْنِ يَبْتَدِئُ تَخَلُّقُ النَّسْلِ فَهَذِهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ (p-١٤٧)إلى أنَّ البُوَيْضَةَ الَّتِي هي نُطْفَةُ المَرْأةِ حاصِلَةٌ في الرَّحِمِ فَإذا أُمْنِيَتْ عَلَيْها نُطْفَةُ الذَّكَرِ أخَذَتْ في التَّخَلُّقِ إذا لَمْ يَعُقْها عائِقٌ.
ثُمَّ لِما في فِعْلِ تُمْنى مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ النُّطْفَةَ تُقَطَّرُ وتُصَبُّ عَلى شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الصَّبَّ يَقْتَضِي مَصْبُوبًا عَلَيْهِ فَيُشِيرُ إلى التَّخَلُّقِ إنَّما يَحْصُلُ مِنِ انْصِبابِ النُّطْفَةِ عَلى أُخْرى، فَعِنْدَ اخْتِلاطِ الماءَيْنِ يَحْصُلُ تَخَلُّقُ النَّسْلِ فَهَذا سِرُّ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ إذا تُمْنى.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِما بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن شِبْهِ التَّضادِّ.
ولَمْ يُؤْتَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَضَمِيرِ الفَصْلِ كَما في اللَّتَيْنِ قَبْلَها لِعَدَمِ الدّاعِي إلى القَصْرِ إذْ لا يُنازِعُ أحَدٌ في أنَّ اللَّهَ خالِقُ الخَلْقِ ومَوْقِعُ جُمْلَةِ وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ إلى آخِرِها كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى.
{"ayahs_start":45,"ayahs":["وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَیۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ","مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ"],"ayah":"مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











