الباحث القرآني
﴿هو الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ لِلِارْتِقاءِ في إثْباتِ إلَهِيَّتِهِ الحَقِّ بِإثْباتِ ما يُناسِبُها وهو الحَياةُ الكامِلَةُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَدِّمَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَإثْباتُ الحَياةِ الواجِبَةِ لِذاتِهِ فَإنَّ الَّذِي رَبَّ العالَمِينَ وأوْجَدَهم عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ وأمَدَّهم بِما بِهِ قَوامُهم عَلى مَمَرِّ الأزْمانِ لا جَرَمَ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالحَياةِ الحَقِّ لِأنَّ مُدَبِّرَ المَخْلُوقاتِ عَلى طُولِ العُصُورِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ، إذِ الحَياةُ - مَعَ ما عَرَضَ مِن عُسْرٍ في تَعْرِيفِها عِنْدَ الحُكَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ - هي صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ والإرادَةَ والفِعْلَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فَإنْ كانَ اتِّصافُ مَوْصُوفِها بِها مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ فَهي حَياةٌ مُمْكِنَةٌ عارِضَةٌ مِثْلُ حَياةِ المَلائِكَةِ وحَياةِ الأرْواحِ وحَياةِ الإنْسانِ وحَياةِ الحَيَوانِ وحَياةِ الأسارِيعِ، فَتَكُونُ مُتَفاوِتَةً في مَوْصُوفاتِها بِتَفاوُتِ قُوَّتِها فِيها ومُتَفاوِتَةً في مَوْصُوفِها الواحِدِ بِتَفاوُتِ أزْمانِها مِثْلَ تَفاوُتِ حَياةِ الشَّخْصِ الواحِدِ في وقْتِ شَبابِهِ، وحَياتِهِ في وقْتِ هِرَمِهِ، ومِثْلَ حَياةِ الشَّخْصِ وقْتَ نَشاطِهِ وحَياتِهِ وقْتَ نَوْمِهِ، وبِذَلِكَ التَّفاوُتِ تَصِيرُ إلى الخُفُوتِ ثُمَّ الزَّوالِ، ويَظْهَرُ أثَرُ تَفاوُتِها في تَفاوُتِ آثارِها مِنَ الإدْراكِ والإرادَةِ والفِعْلِ.
وإنْ كانَ اتِّصافُ مَوْصُوفِها بِها أزَلِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ فَهي حَياةُ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وهي حَياةٌ واجِبَةٌ ذاتِيَّةٌ. وهي الحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ لِأنَّها غَيْرُ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّقْصِ ولا لِلزَّوالِ، فَلِذَلِكَ كانَ الحَيُّ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى كَما أنْبَأتْ عَنْهُ صِيغَةُ الحَصْرِ في (p-١٩٣)قَوْلِهِ ﴿هُوَ الحَيُّ﴾ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَياةِ ما سِواهُ مِنَ الأحْياءِ لِأنَّها عارِضَةٌ ومُعَرَّضَةٌ لِلْفَناءِ والزَّوالِ.
فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ لِأنَّ كُلَّ مَن سِواهُ لا حَياةَ لَهُ واجِبَةٌ، فَهو مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا مُدَبِّرًا لِلْعالَمِ. وجَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ هو بَيْنَ ما لَمْ يَتَّصِفْ بِالحَياةِ تَمامًا كالأصْنامِ مِنَ الحِجارَةِ أوِ الخَشَبِ أوِ المَعادِنِ. ومِثْلَ الكَواكِبِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والشَّجَرِ، وبَيْنَ ما اتَّصَفَ بِحَياةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ زائِلَةٍ كالمَلائِكَةِ، وبَيْنَ ما اتَّصَفَ بِحَياةٍ عارِضَةٍ زائِلَةٍ مِن مَعْبُوداتِ البَشَرِ مِثْلَ بُوذَةَ وبَرْهَما بَلْهَ المَعْبُوداتِ مِنَ البَقَرِ والثَّعابِينَ. قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدُهُمُ التَّصَرُّفَ بِالإيجادِ والإحْياءِ وهو مَخْلُوقٌ، أيْ مُعَرَّضٌ لِلْحَياةِ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] فَجَعَلَ نَفْيَ الحَياةِ عَنْهم في الحالِ أوْ في المَآلِ دَلالَةً عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ وجَعَلَ نَفْيَ إدْراكِ بَعْضِ المُدْرِكاتِ عَنْهم دَلالَةً عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ.
وبَعْدَ اتِّضاحِ الدَّلالَةِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ غَيْرَ مُشْرِكِينَ غَيْرَهُ في العِبادَةِ لِنُهُوضِ انْفِرادِهِ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يُعْبَدَ.
والدُّعاءُ: العِبادَةُ لِأنَّها يُلازِمُها السُّؤالُ والنِّداءُ في أوَّلِها وفي أثْنائِها غالِبًا، لِأنَّ الدُّعاءَ عُنْوانُ انْكِسارِ النَّفْسِ وخُضُوعِها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] الآيَةَ وكَما في قَوْلِهِ الآتِي ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] .
والإخْلاصُ: الإفْرادُ وتَصْفِيَةُ الشَّيْءِ مِمّا يُنافِيهِ أوْ يُفْسِدُهُ.
والدِّينُ: المُعامَلَةُ. وأُطْلِقَ عَلى الطّاعَةِ وهو المُرادُ هُنا؛ لِأنَّها أشَدُّ أنْواعِ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُطِيعِ والمُطاعِ. والمَعْنى: فَإذْ كانَ هو الحَيَّ دُونَ الأصْنامِ وكانَ لا إلَهَ غَيْرُهُ فاعْبُدُوهُ غَيْرَ مُشْرِكِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ.
ويَدْخُلُ في ماهِيَّةِ الإخْلاصِ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَرْكُ الرِّياءِ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ الرِّياءَ وهو أنْ (p-١٩٤)يَقْصِدَ المُتَعَبِّدُ مِن عِبادَتِهِ أنْ يَراهُ النّاسُ سَواءٌ كانَ قَصْدًا مُجَرَّدًا أوْ مَخْلُوطًا مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ. كُلُّ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن حُصُولِ حَظٍّ في تِلْكَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحَظُّ في جَوْهَرِها. وهَذا مَعْنى ما جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ الرِّياءَ الشِّرْكُ الأصْغَرُ» .
وتَقْدِيمُ (لَهُ) المُتَعَلِّقِ بِمُخْلِصِينَ عَلى مَفْعُولِ مُخْلِصِينَ لِأنَّهُ الأهَمُّ في هَذا المَقامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِمُتَعَلِّقِهِ مِن تَعَلُّقِ المَفْعُولِ بِعامِلِهِ.
* * *
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْشاءً لِلثَّناءِ عَلى اللَّهِ كَما هو شَأْنُ أمْثالِها في غالِبِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِفِعْلِ فادْعُوهُ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أوْ قُولُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَرِينَةُ المَحْذُوفِ هو أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا يَجْرِي عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ كَثِيرًا فَصارَتْ كالمَثَلِ في إنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ. والمَعْنى: فاعْبُدُوهُ بِالعَمَلِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ وشُكْرِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا أُرِيدَ بِهِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ مِن نَفْسِهِ تَعْلِيمًا لِلنّاسِ كَيْفَ يَحْمَدُونَهُ، كَما تَقَدَّمَ في وُجُوهِ نَظِيرِها في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
أوْ جارِيًا عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ.
وعِنْدِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَمْدُ مَصْدَرًا جِيءَ بِهِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ عَلى مَعْنى الأمْرِ، أيِ احْمَدُوا اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ. وعُدِلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.
(p-١٩٥)وفَصْلُ الجُمْلَةِ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها أسْعَدُ بِالِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلِ والرّابِعِ.
{"ayah":"هُوَ ٱلۡحَیُّ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











