الباحث القرآني
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلُنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ .
كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وهو اسْتِخْلاصٌ لِلْعِبْرَةِ مِنِ القِصَصِ الماضِيَةِ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ووَعْدِهُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مِنِ ابْتِداءِ السُّورَةِ كانَ بِذِكْرِ مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وأوْمَأ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ شِيَعَهم آيِلَةٌ إلى خَسارٍ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وامْتَدَّ الكَلامُ في الرَّدِّ عَلى المُجادِلِينَ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي آلَ أمْرُها إلى خَيْبَةٍ واضْمِحْلالٍ في الدُّنْيا وإلى عَذابٍ دائِمٍ في الآخِرَةِ ولَمّا اسْتَوْفى الغَرَضُ مُقْتَضاهُ مِن إطْنابِ البَيانِ بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ عَقِبَهُ أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الكَلامِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥] .
وقَدْ عُلِمَ مِن فِعْلِ النَّصْرِ أنَّ هُنالِكَ فَرِيقًا مَنصُورًا عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِنَ المُتَعَيَّنِ أنَّهُمُ الفَرِيقُ المُعانِدُ لِلرُّسُلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَنَصْرُ الرُّسُلِ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِإظْهارِهِمْ عَلَيْهِمْ وإبادَتِهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ لَهم وعَذابِ النّارِ لِأعْدائِهِمْ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ لَنَنْصُرُ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ حالاتِ النَّصْرِ العَجِيبَةِ الَّتِي وُصِفَ بَعْضُها في السُّورَةِ ووُصِفَ بَعْضٌ آخَرُ في سُوَرٍ أُخْرى تَقَدَّمَ نُزُولُها، وإلّا فَإنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَضى، ونَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَرَقَّبٌ غَيْرُ حاصِلٍ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ.
(p-١٦٨)وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنْ) وبِجَعْلِ المُسْنَدِ فِعْلِيًا في قَوْلِهِ لَنَنْصُرُ مُراعًى فِيهِ حالُ المُعَرَّضِ بِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رُسُلَهُ عَلَيْهِمْ وهم المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ.
وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهم عَلى مَن ظَلَمَهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِأنْ يُوقِعَ الظّالِمَ في سُوءِ عاقِبَةٍ أوْ بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ مَن يَنْتَقِمُ مِنهُ بِنَحْوٍ أوْ أشَدَّ مِمّا ظَلَمَ بِهِ مُؤْمِنًا.
والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ. والقِيامُ: الوُقُوفُ في المَوْقِفِ. والأشْهادُ: الرُّسُلُ، والمَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمُؤْمِنُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وذَلِكَ اليَوْمُ هو يَوْمُ الحَشْرِ، وشَهادَةُ الرُّسُلِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ مِن جُمْلَةِ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ وكَذَلِكَ شَهادَةُ المُؤْمِنِينَ.
و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وهو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الظَّرْفِ.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ. والمَعْذِرَةُ اسْمُ مَصْدَرِ اعْتَذَرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وظاهِرُ إضافَةِ المَعْذِرَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّهم تَصْدُرُ مِنهم يَوْمَئِذٍ مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ العَذابَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] وهَذا لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] الَّذِي هو في انْتِفاءِ الِاعْتِذارُ مِن أصْلِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ هو الِاعْتِذارُ المَأْذُونُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] في سُورَةِ الرُّومِ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ لا يَنْفَعُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ الفاعِلَ وهو (مَعْذِرَةُ) غَيْرُ حَقِيقِيُّ التَّأْنِيثِ ولِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ بِالمَفْعُولِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ.
ولَهُمُ اللَّعْنَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ ويَوْمَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ.
(p-١٦٩)واللَّعْنَةُ: البُعْدُ والطَّرْدُ، أيْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] هي جَهَنَّمُ. وتَقْدِيمُ لَهم في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِالِانْتِقامِ مِنهم.
{"ayah":"یَوۡمَ لَا یَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِینَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوۤءُ ٱلدَّارِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











