الباحث القرآني
﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ الِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرافُ والمَشْيُ، ويُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أفْعالِ الشُّرُوعِ لِأنَّ الشّارِعَ يَنْطَلِقُ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ: ذَهَبَ بِفِعْلِ كَذا، كَما في قَوْلِ النَّبَهانِيِّ:
؎فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
(p-٢١١)وكَذَلِكَ قامَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ [الكهف: ١٤]“ في سُورَةِ الكَهْفِ.
وقِيلَ: إنَّ الِانْطِلاقَ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ وانْصَرَفَ المَلَأُ مِنهم عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ.
والمَلَأُ: سادَةُ القَوْمِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قائِلُ ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ مِنَ القائِلِينَ أبا جَهْلٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ.
و(أنِ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّ الِانْطِلاقَ إنْ كانَ مَجازًا فَهو في الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ في الكَلامِ فَكانَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فاحْتاجَ إلى تَفْسِيرٍ بِكَلامٍ مَقُولٍ، وإنْ كانَ الِانْطِلاقُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقَدْ تَضَمَّنَ انْطِلاقَهم عَقِبَ التَّقاوُلِ بَيْنَهم بِكَلامِهِمُ الباطِلِ ”هَذا ساحِرٌ“ إلى قَوْلِهِ ”عُجابٌ“ يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْطَلَقُوا مُتَحاوِرِينَ في ماذا يَصْنَعُونَ. ولَمّا أُسْنِدَ الِانْطِلاقُ إلى المَلَأِ مِنهم عَلى أنَّهم ما كانُوا لِيَنْطَلِقُوا إلّا لِتَدْبِيرٍ في ماذا يَصْنَعُونَ فَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَحاوُرًا وتُقاوُلًا، احْتِيجَ إلى تَفْسِيرٍ بِجُمْلَةِ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ إلَخْ.
والأمْرُ بِالمَشْيِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أيِ انْصَرِفُوا عَنْ هَذا المَكانِ مَكانِ المُجادَلَةِ، واشْتَغِلُوا بِالثَّباتِ عَلى آلِهَتِكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في الِاسْتِمْرارِ عَلى دِينِهِمْ كَما يُقالُ: كَما سارَ الكِرامُ، أيِ اعْمَلْ كَما عَمِلُوا، ومِنهُ سُمِّيَتِ الأخْلاقُ والأعْمالُ المُعْتادَةُ سِيرَةً.
والصَّبْرُ: الثَّباتُ والمُلازَمَةُ، يُقالُ: صَبَرَ الدّابَّةَ إذا رَبَطَها، ومِنهُ سُمِّيَ الثَّباتُ عِنْدَ حُلُولِ الضُّرِّ صَبْرًا لِأنَّهُ مُلازَمَةٌ لِلْحِلْمِ والأناةِ بِحَيْثُ لا يَضْطَرِبُ بِالجَزَعِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] .
وحَرْفُ (عَلى) يَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ ”اصْبِرُوا“ مَعْنى: اعْكُفُوا واثْبُتُوا، فَحَرْفُ (عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ، مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، ولَيْسَ هو حَرْفَ (عَلى) المُتَعارَفَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الصَّبْرِ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى (مَعَ)، ولِذَلِكَ يَخْلُفُهُ اللّامُ في مِثْلِ ذَلِكَ المَوْقِعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨]، ولا بُدَّ هُنا مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَلى عِبادَةِ (p-٢١٢)آلِهَتِكم، فَلا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ إنْ كانَ مَجازًا فَهو في الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ في الكَلامِ فَكانَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى آلِهَتِهِمْ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّها شَيْءٌ أرادَهُ لِغَرَضٍ، أيْ لَيْسَ صادِقًا ولَكِنَّهُ مَصْنُوعٌ مُرادٌ مِنهُ مَقْصِدٌ كَما يُقالُ: هَذا أمْرٌ دُبِّرَ بِلَيْلٍ، فالإشارَةُ بِ ”هَذا“ إلى ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ في المَجْلِسِ مِن دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِن كَلامِ المَلَأِ. والإشارَةُ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾، أيْ هَذا القَوْلُ وهو جَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ لِأنَّ عَدَمَ سَماعِ مِثْلِهِ يُبَيِّنُ أنَّهُ شَيْءٌ مُصْطَنَعٌ مُبْتَدَعٌ.
وإعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَمْيِيزِهِ. وفي قَوْلِهِ ”بِهَذا“ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَقُولُهُ.
ونَفِيُ السَّماعِ هُنا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِبْعادِ والِاتِّهامِ بِالكَذِبِ.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، قالَ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والآخِرَةُ: تَأْنِيثُ الآخِرُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَقَرَّرَتْ فِيها أمْثالُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] .
والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ بَيانًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ”سَمِعْنا“ . والمَعْنى: ما سَمِعْنا بِهَذا قَبْلَ اليَوْمِ فَلا نَعْتَدُّ بِهِ. ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ”المِلَّةِ الآخِرَةِ“ دِينَ النَّصارى، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ، وعَلَيْهِ فالمُشْرِكُونَ اسْتَشْهَدُوا عَلى بُطْلانِ تَوْحِيدِ الإلَهِ بِأنَّ دِينَ النَّصارى الَّذِي قَبْلَ الإسْلامِ (p-٢١٣)أثْبَتَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، ويَكُونُ نَفْيُ السَّماعِ كِنايَةً عَنْ سَماعِ ضِدِّهِ وهو تَعَدُّدُ الآلِهَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا بِ ”المِلَّةِ الآخِرَةِ“ المِلَّةَ الَّتِي هم عَلَيْها ويَكُونُ إشارَةً إلى قَوْلِ مَلَأِ قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ في حِينِ احْتِضارِهِ حِينَ قالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ «يا عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالُوا لَهُ جَمِيعًا: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ» . فَقَوْلُهم ”في المِلَّةِ الآخِرَةِ“ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ هَذا إلى الزَّمَنِ الأخِيرِ فَيَعْلَمُ أنَّ انْتِفاءَهُ في مِلَّتِهِمُ الأوْلى بِالأحْرى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”ما سَمِعْنا بِهَذا“ وهَذا هو المُتَحَصَّلُ مِن كَلامِهِمُ المَبْدُوءِ بِ ﴿امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كالفَذْلَكَةِ لِكَلامِهِمْ.
والِاخْتِلاقُ: الكَذِبُ المُخْتَرَعُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِقائِلِهِ.
{"ayahs_start":6,"ayahs":["وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُوا۟ وَٱصۡبِرُوا۟ عَلَىٰۤ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَیۡءࣱ یُرَادُ","مَا سَمِعۡنَا بِهَـٰذَا فِی ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا ٱخۡتِلَـٰقٌ"],"ayah":"وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُوا۟ وَٱصۡبِرُوا۟ عَلَىٰۤ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَیۡءࣱ یُرَادُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق