الباحث القرآني
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عُقِّبَ قَوْلُهم في المَلائِكَةِ والجِنِّ بِهَذا لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الجِنِّ وعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي سَوَّلَها لَهُمُ الشَّيْطانُ وحَرَّضَهم عَلَيْها الكُهّانُ خَدَمَةُ الجِنِّ، (p-١٨٩)فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إدْخالِ الفِتْنَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِما يُحاوِلُونَ مِنهم مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ مُنَزَّهُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِكم، فَإنَّكم لا تَفْتِنُونَ إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِفْتاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ ”﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]“ الآيَةَ.
والواوُ في قَوْلِهِ ”وما تَعْبُدُونَ“ واوُ العَطْفِ أوْ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، والخَبَرُ هو ”﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾“ .
وضَمِيرُ ”أنْتُمْ“ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ”إنَّكم“ .
والمَعْنى: أنَّكم مُصْطَحَبِينَ بِالجِنِّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم لا تَفْتِنُونَ أحَدًا. ووَجْهُ ذِكْرِ المَفْعُولِ مَعَهُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ لِلنّاسِ أنَّ الجِنَّ تَنْفَعُ وتَضُرُّ وأنَّ الأصْنامَ كَذَلِكَ، وكانُوا يُخَوِّفُونَ النّاسَ مِن بَأْسِها وانْتِقامِها كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمّا أسْلَمَ ودَعاها إلى الإسْلامِ: ”ألا تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى ؟ قالَ: لا، فَأسْلَمَتْ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن يَسُبُّ الأصْنامَ يُصِيبُهُ البَرَصُ أوِ الجُذامُ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَمّا قَدِمَ ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ عَلى قَوْمِهِ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ في قَوْلِهِ: باسَتِ اللّاتُ والعُزّى. فَقالُوا: يا ضِمامُ اتَّقِ الجُذامَ اتَّقِ الجُنُونَ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِأنَّ الأصْنامَ لا يُسْنَدُ إلَيْها الإفْتانُ.
وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ“ وما تَعْبُدُونَ ”مَفْعُولًا مَعَهُ سادًّا مَسَدَّ خَبَرِ (إنَّ)، والمَعْنى: فَإنَّكم مَعَ ما تَعْبُدُونَ، أيْ فَإنَّكم قُرَناءُ لِآلِهَتِكم لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، وهَذا كَما يَقُولُونَ:“ كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتَهُ ”أيْ مَعَ ضَيْعَتِهِ، أيْ مُقارِنٌ لَها.
و“ ما تَعْبُدُونَ ”صادِقٌ عَلى الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّ الجِنَّ تَصْدُرُ مِنهم فِتْنَةُ النّاسِ بِالإشْراكِ دُونَ الأصْنامِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنها، (p-١٩٠)قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] الآيَةَ.
وضَمِيرُ“ عَلَيْهِ ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] أوْ في قَوْلِهِ“ إلّا عِبادَ اللَّهِ ”، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى“ ما تَعْبُدُونَ ”بِمُراعاةِ إفْرادِ اسْمِ المَوْصُولِ وهو (ما) .
وحُذِفَ مَفْعُولُ“ فاتِنِينَ ”لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: بِفاتِنِينَ أحَدًا، ومِعْيارُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مَفْعُولٌ بِفاتِنِينَ.
وحَرْفُ (عَلى) يَتَعَلَّقُ بِ“ فاتِنِينَ ”إمّا لِتَضْمِينِ“ فاتِنِينَ ”مَعْنى مُفْسِدِينَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَما يُقالُ: فَسَدَ العَبْدُ عَلى سَيِّدِهِ، وخَلَّقَ فُلانٌ المَرْأةَ عَلى زَوْجِها، وتَكُونُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِأنَّ تَضْمِينَ مُفْسِدِينَ فِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ.
وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى حامِلِينَ ومَسْئُولِينَ، ويَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويَكُونُ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَيْنَ (عَلى) ومَجْرُورِها تَقْدِيرُهُ: عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ، والمَعْنى: أنَّكم والشَّياطِينَ لا يَتْبَعُكم أحَدٌ في دِينِكم إلّا مَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِيَكُونَ صالِيَ الجَحِيمِ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
ورُسِمَ في المُصْحَفِ“ صالِ الجَحِيمِ ”بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ اللّامِ اعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ، فَإنَّ الياءَ لا يُنْطَقُ بِها فَرَسَمَهُ كاتِبُ المُصْحَفِ بِمِثْلِ حالَةِ النُّطْقِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفَ عَلى“ صالِ " .
{"ayahs_start":161,"ayahs":["فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ","مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ بِفَـٰتِنِینَ","إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِیمِ"],"ayah":"فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











