الباحث القرآني
(p-٢٨٥)﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾
لَمّا أُشْبِعَ المَقامُ أدِلَّةً، ومَواعِظَ، وتَذْكِيراتٍ، مِمّا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَن نَصَبَ نَفْسَهُ مَنصِبَ الِانْتِفاعِ والِاقْتِناعِ، ولَمْ يَظْهَرْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن أحْوالِ القَوْمِ ما يُتَوَسَّمُ مِنهُ نَزْعُهم عَنْ ضَلالِهِمْ ورُبَّما أحْدَثَ ذَلِكَ في نُفُوسِ أهْلِ العِزَّةِ مِنهم إعْجابًا بِأنْفُسِهِمْ واغْتِرارًا بِأنَّهم مَرْغُوبٌ في انْضِمامِهِمْ إلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَيَزِيدُهم ذَلِكَ الغَرُورُ قَبُولًا لِتَسْوِيلِ مَكائِدِ الشَّيْطانِ لَهم أنْ يَعْتَصِمُوا بِشِرْكِهِمْ، ناسَبَ أنْ يُنَبِّئَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ وأنَّ دِينَهُ لا يَعْتَزُّ بِأمْثالِهِمْ وأنَّهُ مُصَيِّرُهم إلى الفَناءِ وآتٍ بِناسٍ يَعْتَزُّ بِهِمُ الإسْلامُ.
فالمُرادُ بِـ ”أيُّها النّاسُ“ هُمُ المُشْرِكُونَ كَما هو غالِبُ اصْطِلاحِ القُرْآنِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ آنِفًا ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ الآياتِ.
وقَبْلَ أنْ يُوَجَّهَ إلَيْهِمُ الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم وُجِّهَ إلَيْهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ لِلذِّلَّةِ عَلى عَظَمَتِهِمْ مِنَ الشُّعُورِ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم فَإنَّهم يُوقِنُونَ بِأنَّهُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ولَكِنَّهم لا يُوقِنُونَ بِالمَقْصِدِ الَّذِي يَقْضِي إلَيْهِ عِلْمُهم بِذَلِكَ، فَأُرِيدَ إبْلاغُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِدْلالِ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ قَرْعِ أسْماعِهِمْ بِما لَمْ تَكُنْ تُقْرَعُ مِن قَبْلُ عَسى أنْ يَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ويَتَكَعْكَعُوا عَنْ غُرُورِ أنْفُسِهِمْ، عَلى أنَّهم لا يَخْلُو جَمْعُهم مِن أصْحابِ عُقُولٍ صالِحَةٍ لِلْوُصُولِ إلى حَقائِقِ الحَقِّ فَأُولَئِكَ إذا قُرِعَتْ أسْماعُهم بِما لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَهُ مِن قَبْلُ ازْدادُوا يَقِينًا بِمُشاهَدَةِ ما كانَ مَحْجُوبًا عَنْ بَصائِرِهِمْ بِأسْتارِ الِاشْتِغالِ بِفِتْنَةِ ضَلالِهِمْ عَسى أنْ يُؤْمِنَ مَن هَيَّأهُ اللَّهُ بِفِطْرَتِهِ لِلْإيمانِ، فَمَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ كانَ بَقاؤُهُ مَشُوبًا بِحِيرَةٍ ومَرَّ طَعْمُ الحَياةِ عِنْدَهُ، فَأيْنَ ما كانَتْ تَتَلَقّاهُ مَسامِعُهم مِن قَبْلِ تَمْجِيدِهِمْ وتَمْجِيدِ آبائِهِمْ وتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم لَمّا عاتَبُوا النَّبِيءَ ﷺ في بَعْضِ مُراجَعَتِهِمْ عَدُّوا عَلَيْهِ شَتْمَ آبائِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ.
وجُمْلَةُ ”أنْتُمُ الفُقَراءُ“ تُفِيدُ القَصْرَ لِتَعْرِيفِ جُزْأيْها، أيْ قَصْرَ صِفَةِ الفَقْرِ عَلى النّاسِ المُخاطَبِينَ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، أيْ أنْتُمُ المُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ ولَيْسَ هو بِمُفْتَقِرٍ إلَيْكم، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمُ المُشْعِرُ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَغِيظُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِعَدَمِ قَبُولِ دَعْوَتِهِ. فالوَجْهُ حَمْلُ القَصْرِ (p-٢٨٦)المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ ”أنْتُمُ الفُقَراءُ“ إلى القَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ، وأمّا حَمْلُ القَصْرِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ تَكَلُّفُ أنَّهُ ادِّعائِيٌّ فَلا داعِيَ إلَيْهِ.
وإتْباعُ صِفَةِ الغَنِيِّ بِـ ”الحَمِيدِ“ تَكْمِيلٌ، فَهو احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا عَنِ اسْتِجابَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ فَهم مَعْذُورُونَ في أنْ لا يَعْبُدُوهُ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالحَمْدِ لِمَن عَبَدَهُ واسْتَجابَ لِدَعْوَتِهِ كَما أتْبَعَ الآيَةَ الأُخْرى إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم، ومِنَ المُحَسِّناتِ وُقُوعُ ”الحَمِيدِ“ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ”إلى اللَّهِ“ كَما وقَعَ ”الغَنِيُّ“ في مُقابَلَةِ ”الفُقَراءُ“ لِأنَّهُ لَمّا قَيَّدَ فَقْرَهم بِالكَوْنِ إلى اللَّهِ قَيَّدَ غِنى اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ ”الحَمِيدِ“ لِإفادَةِ أنَّ غِناهُ تَعالى مُقْتَرِنٌ بِجُودِهِ فَهو يَحْمِدُ مَن يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ.
{"ayah":"۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَاۤءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِیُّ ٱلۡحَمِیدُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق