الباحث القرآني
﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [سبإ: ٤] وهو مُقابِلُ جَزاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فالمُرادُ بِالَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَدَلَ عَنْ جَعْلِ اسْمِ المَوْصُولِ (كَفَرُوا) لِتَصْلُحَ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ تَمْهِيدًا لِإبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في الرَّسُولِ ﷺ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ ما جاءَهم بِهِ مِنَ القُرْآنِ في زَعْمِهِمْ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُمَهَّدَ لِإبْطالِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ مِن باطِلِ أهْلِ الشِّرْكِ الجاهِلِينَ، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عَطْفِ الأغْراضِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في إبْطالِ شُبَهِ أهْلِ الضَّلالَةِ والمَلاحِدَةِ بِأنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذِكْرِ الشُّبَهِ ما يُقابِلُها مِن إبْطالِها ورُبَّما سَلَكَ أهْلُ الجَدَلِ طَرِيقَةً أُخْرى هي تَقْدِيمُ الشُّبَهِ ثُمَّ الكُرُورِ عَلَيْها (p-١٤٥)بِالإبْطالِ وهي طَرِيقَةُ عَضُدِ الدِّينِ في كِتابِ (المَواقِفُ) وقَدْ كانَ بَعْضُ أشْياخِنا يَحْكِي انْتِقادَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ طَرِيقَتَهُ فَلِذَلِكَ خالَفَها التَّفْتَزانِيُّ في كِتابِ (المَقاصِدُ) .
والحَقُّ أنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ جادَّتانِ وقَدْ سُلِكَتا في القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ [سبإ: ٥] فَبَعْدَ أنْ أُورِدَتْ جُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ [سبإ: ٥]) لِمُقابَلَةِ جُمْلَةِ (﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [سبإ: ٤]) الَخْ، اعْتُبِرَتْ مَقْصُودًا مِن جِهَةٍ أُخْرى فَكانَتْ بِحاجَةٍ إلى رَدِّ مَضْمُونِها بِجُمْلَةِ (﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أهْلُ جَهالَةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُها بَعْدَها تَعْقِيبًا لِلشُّبْهَةِ بِما يُبْطِلُها وهي الطَّرِيقَةُ الأُخْرى.
والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ. واخْتِيرَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ هُنا دُونَ (ويَعْلَمُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ بِمَنزِلَةِ العِلْمِ بِالمَرْئِيّاتِ الَّتِي عِلْمُها ضَرُورِيٌّ، ومَفْعُولا (يَرى) (الَّذِي أُنْزَلَ) و(الحَقَّ) . وضَمِيرُ (هو) فَصْلٌ يُفِيدُ حَصْرَ الحَقِّ في القُرْآنِ حَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لا ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِمّا يُعارِضُونَ بِهِ القُرْآنَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُفِيدَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا، أيْ قَصْرُ الحَقِّيَةِ المَحْضِ عَلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ خُلِطَ حَقُّها بِباطِلٍ.
والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ فَسَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَمّا في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الرُّهْبانِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، فَهَذا تَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ولَيْسَ احْتِجاجٌ بِسُكُوتِهِمْ عَلى إبْطالِهِ في أوائِلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ويَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِبَشائِرِ رُسُلِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ بِهِ فَعانَدَ أكْثَرُهم حِينَئِذٍ تَبَعًا لِعامَّتِهِمْ.
وبِهَذا تَتَبَيَّنُ أنَّ إرادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ مِن هَذِهِ الآيَةِ لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نازِلَةً بِالمَدِينَةِ حَتّى يَتَوَهَّمَ الَّذِينَ تَوَهَّمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَثْناةٌ مِن مَكِّيّاتِ السُّورَةِ كَما تَقَدَّمَ.
(p-١٤٦)والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مَن آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم أُوتُوا القُرْآنَ. وفِيهِ عِلْمٌ عَظِيمٌ هم عالِمُوهُ عَلى تَفاضُلِهِمْ في فَهْمِهِ والِاسْتِنْباطِ مِنهُ فَقَدْ كانَ الواحِدُ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا حَتّى إذا أسْلَمَ رَقَّ قَلْبُهُ وامْتَلَأ صَدْرُهُ بِالحِكْمَةِ وانْشَرَحَ لِشَرائِعِ الإسْلامِ واهْتَدى إلى الحَقِّ وإلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وأوَّلُ مِثالٍ لِهَؤُلاءِ وأشْهُرُهُ وأفْضَلُهُ هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِلْبَوْنِ البَعِيدِ بَيْنَ حالَتَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ. وهَذا ما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ خالِطًا فِيهِ الجَدَّ بِالهَزْلِ:
؎وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ سِوى العَدْلِ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ
فَإنَّهم كانُوا إذا لَقُوا النَّبِيءَ ﷺ أشْرَقَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُ النُّبُوءَةِ فَمَلَأتْهم حِكْمَةً وتَقْوى. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِأحَدِ أصْحابِهِ: «لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم كَما تَكُونُونَ عِنْدِي لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها» . وبِفَضْلِ ذَلِكَ ساسُوا الأُمَّةَ وافْتَتَحُوا المَمالِكَ وأقامُوا العَدْلَ بَيْنَ النّاسِ مُسْلِمِهِمْ وذِمِّيِّهِمْ ومُعاهِدِهِمْ ومَلَأُوا أعْيُنَ مُلُوكِ الأرْضِ مَهابَةً. وعَلى هَذا المَحْمَلِ حُمِلَ (﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾) في سُورَةِ الحَجِّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ [الروم: ٥٦] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ في مَوْضِعِ المَعْطُوفِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ - (يَرى) . والمَعْنى: يَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هادِيًا إلى العَزِيزِ الحَمِيدِ، وهو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ الَّذِي فِيهِ مادَّةُ الِاشْتِقاقِ وهو الحَقُّ فَإنَّ المَصْدَرَ في قُوَّةِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ إمّا مُشْتَقٌّ أوْ هو أصْلُ الِاشْتِقاقِ. والعُدُولُ عَنِ الوَصْفِ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإشْعارِها بِتَجَدُّدِ الهِدايَةِ وتَكَرُّرِها. وإيثارُ وصْفَيْ (العَزِيزِ الحَمِيدِ) هُنا دُونَ بَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى إيماءً إلى أنَّ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُؤْمِنُونَ بِأنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ والهِدايَةُ اسْتَشْعَرُوا مِنَ الإيمانِ أنَّهُ صِراطٌ يَبْلُغُ بِهِ إلى العِزَّةِ قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ويَبْلُغُ إلى الحَمْدِ، أيِ الخِصالِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ، وهي الكَمالاتُ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ.
{"ayah":"وَیَرَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَیَهۡدِیۤ إِلَىٰ صِرَ ٰطِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











