الباحث القرآني
قَوْلُهُ لِلْفُقَراءِ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿لِذِي القُرْبى﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الرَّسُولِ وما بَعْدَهُ لِئَلّا يَسْتَلْزِمَ وصْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالفَقْرِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ كَيْلا يَكُونَ دُولَةً ولَكِنْ يَكُونُ لِلْفُقَراءِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اعْجَبُوا لِلْفُقَراءِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ لِلْفُقَراءِ: أيْ شَدِيدُ العِقابِ لِلْكَفّارِ بِسَبَبِ الفُقَراءِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما مَضى بِتَقْدِيرِ الواوِ كَما تَقُولُ المالَ لِزَيْدٍ لِعَمْرٍو لِبَكْرٍ، والمُرادُ بِـ " المُهاجِرِينَ " الَّذِينَ هاجَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَغْبَةً في الدِّينِ ونُصْرَةً لَهُ.
قالَ قَتادَةُ: هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ هُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا الدِّيارَ والأمْوالَ والأهْلِينَ، ومَعْنى ﴿أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أخْرَجُوهم مِنها واضْطَرُّوهم إلى الخُرُوجِ، وكانُوا مِائَةَ رَجُلٍ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا أيْ يَطْلُبُونَ مِنهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ في الدُّنْيا، وبِالرِّضْوانِ في الآخِرَةِ ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهَ بِالجِهادِ لِلْكُفّارِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَبْتَغُونَ، ومَحَلُّ الجُمْلَتَيْنِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، الأُولى مُقارِنَةً، والثّانِيَةُ مُقَدَّرَةً: أيْ ناوِينَ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مُقارِنَةً لِأنَّ خُرُوجَهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ نُصْرَةٌ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (p-١٤٧٦)﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الصِّدْقِ الرّاسِخُونَ فِيهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن مَدْحِ المُهاجِرِينَ مَدَحَ الأنْصارَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، المُرادُ بِالدّارِ المَدِينَةُ، وهي دارُ الهِجْرَةِ، ومَعْنى تَبَوُّئِهِمُ الدّارَ والإيمانَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوها مَباءَةً: أيْ تَمَكَّنُوا مِنها تَمَكُّنًا شَدِيدًا، والتَّبَوُّءُ في الأصْلِ إنَّما يَكُونُ لِلْمَكانِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ الإيمانَ مِثْلَهُ لِتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ تَنْزِيلًا لِلْحالِ مَنزِلَةَ المَحَلِّ، وقِيلَ: إنَّ الإيمانَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ غَيْرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: واعْتَقَدُوا الإيمانَ أوْ وأخْلَصُوا الإيمانَ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ تَبَوَّءُوا الدّارَ ومَوْضِعَ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَبَوَّءُوا مُضَمَّنًا لِمَعْنى لَزِمُوا، والتَّقْدِيرُ: لَزِمُوا الدّارَ والإيمانَ، ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾: مِن قَبْلِ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ لِأنَّ الأنْصارَ إنَّما آمَنُوا بَعْدَ إيمانِ المُهاجِرِينَ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم أحْسَنُوا إلى المُهاجِرِينَ وأشْرَكُوهم في أمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً﴾ أيْ لا يَجِدُ الأنْصارُ في صُدُورِهِمْ حَسَدًا وغَيْظًا وحَزازَةً مِمّا أُوتُوا أيْ مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ دُونَهم مِنَ الفَيْءِ، بَلْ طابَتْ أنْفُسُهم بِذَلِكَ.
وفِي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ: أيْ لا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مَسَّ حاجَةٍ أوْ أثَرَ حاجَةٍ، وكُلُّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في صَدْرِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ فَهو حاجَةٌ.
وكانَ المُهاجِرُونَ في دُورِ الأنْصارِ، فَلَمّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ دَعا الأنْصارَ وشَكَرَهم فِيما صَنَعُوا مَعَ المُهاجِرِينَ مِن إنْزالِهِمْ إيّاهم في مَنازِلِهِمْ، وإشْراكِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنْ أحْبَبْتُمْ قَسَّمْتُ ما أفاءَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَكم وبَيْنَ المُهاجِرِينَ، وكانَ المُهاجِرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ السُّكْنى في مَساكِنِكم والمُشارَكَةِ لَكم في أمْوالِكم، وإنْ أحْبَبْتُمْ أعْطَيْتُهم ذَلِكَ وخَرَجُوا مِن دِيارِكم، فَرَضُوا بِقِسْمَةِ ذَلِكَ في المُهاجِرِينَ وطابَتْ أنْفُسُهم ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ الإيثارُ تَقْدِيمُ الغَيْرِ عَلى النَّفْسِ في حُظُوظِ الدُّنْيا رَغْبَةً في حُظُوظِ الآخِرَةِ، يُقالُ: آثَرْتُهُ بِكَذا أيْ خَصَصْتُهُ بِهِ، والمَعْنى: ويُقَدِّمُونَ المُهاجِرِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ في حُظُوظِ الدُّنْيا ﴿ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ أيْ حاجَةٌ وفَقْرٌ، والخَصاصَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن خِصاصِ البَيْتِ، وهي الفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ، وجُمْلَةُ " لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنَّ الخَصاصَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الِاخْتِصاصِ، وهو الِانْفِرادُ بِالأمْرِ، فالخَصاصَةُ الِانْفِرادُ بِالحاجَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الرَّبِيعَ إذا يَكُونُ خَصاصَةً عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتَرُ
﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يُوقَ بِسُكُونِ الواوِ وتَخْفِيفِ القافِ مِنَ الوِقايَةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾ بِضَمِّ الشِّينِ.
وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِكَسْرِها.
والشُّحُّ: البُخْلُ مَعَ حِرْصٍ، كَذا في الصِّحاحِ، وقِيلَ: الشُّحُّ أشَدُّ مِنَ البُخْلِ.
قالَ مُقاتِلٌ: شُحُّ نَفْسِهِ حِرْصُ نَفْسِهِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: شُحُّ النَّفْسِ هو أخْذُ الحَرامِ ومَنعُ الزَّكاةِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ ولَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِأدائِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ.
قالَ طاوُسُ: البُخْلُ أنْ يَبْخَلَ الإنْسانُ بِما في يَدِهِ، والشُّحُّ أنْ يَشِحَّ بِما في أيْدِي النّاسِ، يُحِبُّ أنْ يَكُونَ لَهُ ما في أيْدِيهِمْ بِالحَلالِ والحَرامِ لا يَقْنَعُ.
وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الشُّحُّ الظُّلْمُ.
وقالَ اللَّيْثُ: تَرْكُ الفَرائِضِ وانْتِهاكُ المَحارِمِ.
والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الفَلاحَ مُتَرَتِّبٌ عَلى عَدَمِ شُحِّ النَّفْسِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءَ الَّتِي يُقَبَّحُ الشُّحُّ بِها شَرْعًا مِن زَكاةٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ صِلَةِ رَحِمٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَما تُفِيدُهُ إضافَةُ الشُّحِّ إلى النَّفْسِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، والفَلاحُ الفَوْزُ والظَّفَرُ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِنَ الثَّناءِ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ذَكَرَ ما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَهُ مَن جاءَ بَعْدَهم، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَما قَوِيَ الإسْلامُ، والظّاهِرُ شُمُولُ الآيَةِ لِمَن جاءَ بَعْدَ السّابِقِينَ مِنَ الصَّحابَةِ المُتَأخِّرُ إسْلامُهم في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومَن تَبِعَهم مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ يَصْدُقُ عَلى الكُلِّ أنَّهم جاءُوا بَعْدَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ والأنْصارِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾، فَيَكُونُ " يَقُولُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ، والمُرادُ بِالأُخُوَّةِ هُنا أُخُوَّةُ الدِّينِ، أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن تَقَدَّمَهم مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ﴿ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ غِشًّا وبُغْضًا وحَسَدًا.
أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَنْزِعَ مِن قُلُوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذِينَ آمَنُوا عَلى الإطْلاقِ، فَيَدْخُلَ في ذَلِكَ الصَّحابَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ المُؤْمِنِينَ، ولِكَوْنِ السِّياقِ فِيهِمْ، فَمَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ لِلصَّحابَةِ عَلى العُمُومِ ويَطْلُبْ رِضْوانَ اللَّهِ لَهم فَقَدْ خالَفَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنْ وجَدَ في قَلْبِهِ غِلًّا لَهم فَقَدْ أصابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطانِ وحَلَّ بِهِ نَصِيبٌ وافِرٌ مِن عِصْيانِ اللَّهِ بِعَداوَةِ أوْلِيائِهِ وخَيْرِ أُمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وانْفَتَحَ لَهُ بابٌ مِنَ الخِذْلانِ يَفِدُ بِهِ عَلى نارِ جَهَنَّمَ إنْ لَمْ يَتَدارَكْ نَفْسَهُ بِاللَّجْءِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ والِاسْتِغاثَةِ بِهِ، بِأنْ يَنْزِعَ عَنْ قَلْبِهِ ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيْرِ القُرُونِ وأشْرَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنْ جاوَزَ ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنهم، فَقَدِ انْقادَ لِلشَّيْطانِ بِزِمامٍ ووَقَعَ في غَضَبِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، وهَذا الدّاءُ العُضالُ إنَّما يُصابُ بِهِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمُعَلِّمٍ مِنَ الرّافِضَةِ أوْ صاحِبٍ مِن أعْداءِ خَيْرِ الأُمَّةِ الَّذِينَ تَلاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطانُ وزَيَّنَ لَهُمُ الأكاذِيبَ المُخْتَلِفَةَ والأقاصِيصَ المُفْتَراةَ والخُرافاتِ المَوْضُوعَةَ، وصَرَفَهم عَنْ كِتابِ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، وعَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَنقُولَةِ إلَيْنا (p-١٤٧٧)بِرِواياتِ الأئِمَّةِ الأكابِرِ في كُلِّ عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ، فاشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى، واسْتَبْدَلُوا الخُسْرانَ العَظِيمَ بِالرِّبْحِ الوافِرِ، وما زالَ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ يَنْقُلُهم مِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ ومِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتّى صارُوا أعْداءَ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ وخَيْرِ أُمَّتِهِ وصالِحِي عِبادِهِ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ، وأهْمَلُوا فَرائِضَ اللَّهِ وهَجَرُوا شَعائِرَ الدِّينِ، وسَعَوْا في كَيْدِ الإسْلامِ وأهْلِهِ كُلَّ السَّعْيِ ورَمَوُا الدِّينَ وأهْلَهُ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴿رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ بَلِيغُهُما لِمَن يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِن عِبادِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: أُوصِي الخَلِيفَةَ بَعْدِي بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْ يَعْرِفَ لَهم حَقَّهم ويَحْفَظَ لَهم حُرْمَتَهم، وأُوصِيهِ بِالأنْصارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ أنْ يَقْبَلَ مِن مُحْسِنِهِمْ ويَتَجاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَنِي الجَهْدُ. فَأرْسَلَ إلى نِسائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا فَقالَ: ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وفي رِوايَةٍ فَقالَ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ بِهِ إلى أهْلِهِ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قالَتْ: واللَّهِ ما عِنْدِي إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قالَ: فَإذا أرادَ الصِّبْيَةُ العَشاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وتَعالَيْ فَأطْفِئِي السِّراجَ، ونَطْوِي بُطُونَنا اللَّيْلَةَ لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدا الضَّيْفُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ مِن فُلانٍ وفُلانَةٍ، وأنْزَلَ فِيهِما ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «أُهْدِيَ إلى رَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسُ شاةٍ فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا، فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى آخَرَ حَتّى تَداوَلَها أهْلُ سَبْعَةِ أبْياتٍ حَتّى رَجَعَتْ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيٌّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا قالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ: وما ذاكَ ؟ قالَ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِنِّي شَيْءٌ، فَقالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ، ولَكِنَّهُ البُخْلُ ولا خَيْرَ في البُخْلِ.
وإنَّ الشُّحَّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ الشُّحُّ أنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ مالَهُ، ولَكِنَّهُ البُخْلُ وإنَّهُ لَشَرٌّ، إنَّما الشُّحُّ أنْ تَطْمَحَ عَيْنُ الرَّجُلِ إلى ما لَيْسَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما مَحَقَ الإسْلامَ مَحْقَ الشُّحِّ شَيْءٌ قَطُّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم، حَمَلَهم عَلى أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واسْتَحَلُّوا مَحارِمَهم.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ الشُّحِّ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: النّاسُ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ قَدْ مَضَتْ مَنزِلَتانِ وبَقِيَتْ مَنزِلَةٌ، فَأحْسَنُ ما أنْتُمْ كائِنُونَ عَلَيْهِ أنْ تَكُونُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَبُّوهم، ثُمَّ قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَتَناوَلُ بَعْضَ المُهاجِرِينَ فَقَرَأ عَلَيْهِ ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ المُهاجِرُونَ أفَمِنِهم أنْتَ ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: هَؤُلاءِ الأنْصارُ أفَأنْتَ مِنهم ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: أفَمِن هَؤُلاءِ أنْتَ ؟ قالَ: أرْجُو، قالَ: لَيْسَ مِن هَؤُلاءِ مَن سَبَّ هَؤُلاءِ.
{"ayahs_start":8,"ayahs":["لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَأَمۡوَ ٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ","وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ","وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ"],"ayah":"لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَأَمۡوَ ٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











