الباحث القرآني
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ يُقالُ فَسَحَ لَهُ يَفْسَحُ فَسْحًا: أيْ وُسَّعَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهم بَلَدٌ فَسِيحٌ.
أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّوْسِعَةِ في المَجْلِسِ وعَدَمِ التَّضايُقِ فِيهِ.
قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: كانُوا يَتَنافَسُونَ في مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ فَأُمِرُوا أنْ يُفْسِحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقالَ الحَسَنُ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: هو مَجْلِسُ القِتالِ إذا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ كانُوا يَتَشاحُّونَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ، فَلا يُوَسِّعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ رَغْبَةً في القِتالِ لِتَحْصِيلِ الشَّهادَةِ ﴿فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ فَوَسِّعُوا يُوَسِّعِ اللَّهُ لَكم في الجَنَّةِ، أوْ في كُلِّ ما تُرِيدُونَ التَّفَسُّحَ فِيهِ مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ وغَيْرِهِما.
قَرَأ الجُمْهُورُ تَفَسَّحُوا في المَجْلِسِ وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعاصِمٌ ﴿فِي المَجالِسِ﴾ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَجْلِسًا، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ " تَفاسَحُوا " قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ التَّوْحِيدُ في المَجْلِسِ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِهِ مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ .
وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَجْلِسٍ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ لِلْخَيْرِ والأجْرِ، سَواءٌ كانَ مَجْلِسَ حَرْبٍ، أوْ ذِكْرٍ، أوْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ أحَقُّ بِمَكانِهِ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ، ولَكِنْ يُوَسِّعُ لِأخِيهِ ما لَمْ يَتَأذَّ بِذَلِكَ فَيُخْرِجُهُ الضِّيقُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: لا يُقِمِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ (p-١٤٦٩)يَجْلِسْ فِيهِ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الشِّينِ فِيها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ بِضَمِّها فِيهِما، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، يُقالُ نَشَزَ: أيِ ارْتَفَعَ يَنْشُزُ ويَنْشِزُ كَعَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ، والمَعْنى: إذا قِيلَ لَكُمُ انْهَضُوا فانْهَضُوا.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أيِ انْهَضُوا إلى الصَّلاةِ والجِهادِ وعَمَلِ الخَيْرِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: كانَ رِجالٌ يَتَثاقَلُونَ عَنِ الصَّلاةِ، فَقِيلَ لَهم إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ فانْهَضُوا.
وقالَ الحَسَنُ: انْهَضُوا إلى الحَرْبِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا في بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، كانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فانْشُزُوا فَإنَّ لَهُ حَوائِجَ فَلا تَمْكُثُوا.
وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى أجِيبُوا إذا دُعِيتُمْ إلى أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، والظّاهِرُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، والمَعْنى: إذا قِيلَ لَكُمُ انْهَضُوا إلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فانْهَضُوا ولا تَتَثاقَلُوا، ولا يَمْنَعُ مِن حَمْلِها عَلى العُمُومِ كَوْنُ السَّبَبِ خاصًّا، فَإنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو الحَقُّ، ويَنْدَرِجُ ما هو سَبَبُ النُّزُولِ فِيها انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وهَكَذا يَنْدَرِجُ ما فِيهِ السِّياقُ وهو التَّفْسِيحُ في المَجْلِسِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْنى: نَشَزَ ارْتَفَعَ، وهَكَذا يُقالُ نَشَزَ يَنْشُزُ: إذا تَنَحّى عَنْ مَوْضِعِهِ، ومِنهُ امْرَأةٌ ناشِزٌ: أيْ مُتَنَحِّيَةٌ عَنْ زَوْجِها، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْزِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ وتَنَحّى، ذَكَرَ مَعْناهُ النَّحّاسُ.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِتَوْفِيرِ نَصِيبِهِمْ فِيهِما ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ أيْ ويَرْفَعِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنكم دَرَجاتٍ عالِيَةٍ في الكَرامَةِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَرْفَعُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن دَرَجاتٍ ويَرْفَعُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا دَرَجاتٍ، فَمَن جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والعِلْمِ رَفَعَهُ اللَّهُ بِإيمانِهِ دَرَجاتٍ ثُمَّ رَفَعَهُ بِعِلْمِهِ دَرَجاتٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الصَّحابَةِ وكَذَلِكَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا العَلَمَ الَّذِينَ قَرَءُوا القُرْآنَ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكُلِّ صاحِبِ عِلْمٍ مِن عُلُومِ الدِّينِ مِن جَمِيعِ أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ، ولا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الآيَةِ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعِلْمِ وأهْلِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى فَضْلِهِ وفَضْلِهِمْ آياتٌ قُرْآنِيَّةٌ وأحادِيثُ نَبَوِيَّةٌ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَهو مُجازِيكم بِالخَيْرِ خَيْرًا وبِالشَّرِّ شَرًّا.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ المُناجاةُ المُسارَرَةُ، والمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ مُسارَرَةَ الرَّسُولِ في أمْرٍ مِن أُمُورِكم فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مُسارَرَتِكم لَهُ صَدَقَةً.
قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْتَخْلُونَ النَّبِيَّ ﷺ يُناجُونَهُ، فَظَنَّ بِهِمْ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهم يَنْتَقِصُونَهم في النَّجْوى، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالصَّدَقَةِ عِنْدَ النَّجْوى لِتَقْطَعَهم عَنِ اسْتِخْلائِهِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ المُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا يُناجُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ إنَّهُ أُذُنٌ يَسْمَعُ كُلَّ ما قِيلَ لَهُ، وكانَ لا يَمْنَعُ أحَدًا مِن مُناجاتِهِ وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى المُسْلِمِينَ، لِأنَّ الشَّيْطانَ كانَ يُلْقِي في أنْفُسِهِمْ أنَّهم ناجَوْهُ بِأنَّ جُمُوعًا اجْتَمَعَتْ لِقِتالِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ فانْتَهى أهْلُ الباطِلِ عَنِ النَّجْوى؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواهم صَدَقَةً، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى أهْلِ الإيمانِ، وامْتَنَعُوا عَنِ النَّجْوى لِضَعْفِ كَثِيرٍ مِنهم عَنِ الصَّدَقَةِ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوى، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ لِما فِيهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِكَوْنِ امْتِثالِهِ خَيْرًا لَهم مِن عَدَمِ الِامْتِثالِ وأطْهَرَ لِنُفُوسِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ لا أمْرُ وُجُوبٍ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي مَن كانَ مِنهم لا يَجِدُ تِلْكَ الصَّدَقَةَ المَأْمُورَ بِها بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوى، فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ في النَّجْوى بِدُونِ صَدَقَةٍ.
﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ أيْ أخِفْتُمُ الفَقْرَ والعَيْلَةَ لِأنْ تُقَدِّمُوا ذَلِكَ، والإشْفاقُ: الخَوْفُ مِنَ المَكْرُوهِ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ.
وقِيلَ المَعْنى: أبَخِلْتُمْ، وجَمَعَ الصَّدَقاتِ هُنا بِاعْتِبارِ المُخاطَبِينَ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ ثُمَّ نُسِخَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا لَيْلَةً واحِدَةً.
وقالَ قَتادَةُ: ما كانَ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ.
﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوى، وهَذا خِطابٌ لِمَن وجَدَ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ ولَمْ يَفْعَلْ، وأمّا مَن لَمْ يَجِدْ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّرْخِيصُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ رَخَّصَ لَكم في التَّرْكِ، و" إذْ " عَلى بابِها في الدَّلالَةِ عَلى المُضِيِّ، وقِيلَ هي بِمَعْنى إذا، وقِيلَ بِمَعْنى إنْ، " وتابَ " مَعْطُوفٌ عَلى " لَمْ تَفْعَلُوا ": أيْ وإذا لَمْ تَفْعَلُوا وإذْ تابَ عَلَيْكم ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ والمَعْنى: إذا وقَعَ مِنكُمُ التَّثاقُلُ عَنِ امْتِثالِ الأمْرِ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيِ النَّجْوى فاثْبُتُوا عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فِيما تُؤْمَرُونَ بِهِ وتُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ فَهو مُجازِيكم، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِ المُؤْمِنِينَ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ، أمّا الفُقَراءُ مِنهم فالأمْرُ واضِحٌ، وأمّا مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم لَمْ يُكَلَّفُوا بِالمُناجاةِ حَتّى تَجِبَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ بَلْ أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ إذا أرادُوا المُناجاةَ، فَمَن تَرَكَ المُناجاةَ فَلا يَكُونُ مُقَصِّرًا في امْتِثالِ الأمْرِ بِالصَّدَقَةِ، عَلى أنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ كَما قَدَّمْنا.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ بِأنَّهُ يَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ إمْكانِ الفِعْلِ، ولَيْسَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ النَّسْخَ لَمْ يَقَعْ إلّا بَعْدَ إمْكانِ الفِعْلِ، وأيْضًا قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ البَعْضُ، فَتَصَدَّقَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْواهُ كَما سَيَأْتِي.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ يَوْمَ (p-١٤٧٠)جُمُعَةٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ في الصُّفَّةِ، وفي المَكانِ ضِيقٌ وكانَ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ سُبِقُوا إلى المَجالِسِ فَقامُوا حِيالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلى القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ما يَحْمِلُهم عَلى القِيامِ، فَلَمْ يُفْسَحْ لَهم، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِن غَيْرِ أهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يا فُلانُ وأنْتَ يا فُلانُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُهم بِعِدَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ هم قِيامٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مَن أُقِيمَ مِن مَجْلِسِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ في مَجْلِسِ القِتالِ ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قالَ: إلى الخَيْرِ والصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ قالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا دَرَجاتٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ دَرَجاتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: ما خَصَّ اللَّهُ العُلَماءَ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ما خَصَّهم في هَذِهِ الآيَةِ، فَضَّلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وأُوتُوا العِلْمَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُؤْتَوُا العِلْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا المَسائِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ ضَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَفُّوا عَنِ المَسْألَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ الآيَةَ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُضَيِّقْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: ما تَرى دِينارًا ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ. قالَ: فَنِصْفَ دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: فَكَمْ ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ، قالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ، قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾» الآيَةَ، فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ والمُرادُ بِالشَّعِيرَةِ هُنا وزْنُ شَعِيرَةٍ مِن ذَهَبٍ، ولَيْسَ المُرادُ واحِدَةً مِن حَبِّ الشَّعِيرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي حَتّى نُسِخَتْ، وما كانَتْ إلّا ساعَةً: يَعْنِي آيَةَ النَّجْوى.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي آيَةُ النَّجْوى " ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ " كانَ عِنْدِي دِينارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَكُنْتُ كُلَّما ناجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا، ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، فَنَزَلَتْ: " ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ " الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ - قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾» .
{"ayahs_start":11,"ayahs":["یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا قِیلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُوا۟ فِی ٱلۡمَجَـٰلِسِ فَٱفۡسَحُوا۟ یَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِیلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَـٰتࣲۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ","یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نَـٰجَیۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةࣰۚ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ","ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَـٰتࣲۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ"],"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نَـٰجَیۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَیۡنَ یَدَیۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةࣰۚ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق