الباحث القرآني

الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا. فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها. ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ. وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا. ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ. وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ. والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ بِنِعَمِهِ وهِدايَتِهِ وابْتِدائِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والخَطّابِيُّ في الغَرِيبِ والبَيْهَقِيُّ في الأدَبِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «الحَمْدُ رَأسُ الشُّكْرِ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لا يَحْمَدُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ قالَ: " الصَّلاةُ شُكْرٌ والصِّيامُ، وكُلُّ خَيْرٍ تَفْعَلُهُ شُكْرٌ وأفْضَلُ الشُّكْرِ الحَمْدُ " . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سُرِقَتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي فَرَجَعَتْ، فَلَمّا رَآها قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فانْتَظَرُوا هَلْ يُحْدِثُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَوْمًا أوْ صَلاةً، فَظَنُّوا أنَّهُ نَسِيَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنْتَ قُلْتَ: لَئِنْ رَدَّها اللَّهُ عَلَيَّ لَأشْكُرَنَّ رَبِّي، قالَ: ألَمْ أقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ ؟» . وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الحَمْدِ أحادِيثُ. مِنها: ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ «عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أنْشُدَكَ مَحامِدَ حَمَدْتُ بِها رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى ؟ فَقالَ: أما إنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الحَمْدَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إلّا كانَ الَّذِي أعْطى أفْضَلَ مِمّا أخَذَ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ أنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِحَذافِيرِها في يَدِ رَجُلٍ مِن أُمَّتِي ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، لَكانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ» . قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ لَكانَ إلْهامُهُ الحَمْدَ أكْبَرَ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، لِأنَّ ثَوابَ الحَمْدِ لا يَفْنى، ونَعِيمَ الدُّنْيا لا يَبْقى. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن (p-١٧)عَبْدٍ يُنْعَمُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ إلّا كانَ الحَمْدُ أفْضَلَ مِنها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ واللَّهُ أكْبَرُ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والطَّهُورُ نِصْفُ الإيمانِ والصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ لَيْسَ لَها دُونَ اللَّهِ حِجابٌ حَتّى تَخْلُصَ إلَيْهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وما شَيْءٌ أكْثَرُ مَعاذِيرَ مِنَ اللَّهِ، وما شَيْءٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ في السُّنَّةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبانَ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «التَّوْحِيدُ ثَمَنُ الجَنَّةِ، والحَمْدُ ثَمَنُ كُلِّ نِعْمَةٍ، ويَتَقاسَمُونَ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ» . وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَدَّثَهم «أنَّ عَبْدًا مِن عِبادِ اللَّهِ قالَ: يا رَبِّ لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكِ، فَلَمْ يَدْرِ المَلَكانِ كَيْفَ يَكْتُبانِها، فَصَعِدا إلى السَّماءِ فَقالا: يا رَبَّنا إنَّ عَبْدًا قَدْ قالَ مَقالَةً لا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُها، قالَ اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِما قالَ عَبْدُهُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ قالا: يا رَبِّ إنَّهُ قالَ: لَكَ الحَمْدُ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِ وجْهِكَ وعَظِيمِ سُلْطانِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُما: اكْتُباها كَما قالَ عَبْدِي حَتّى يَلْقانِي وأجْزِيهِ بِها» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها» . ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: الرَّبُّ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُقالُ في غَيْرِهِ إلّا بِالإضافَةِ، وقَدْ قالُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ. وقالَ في الكَشّافِ: الرَّبُّ المالِكُ. ومِنهُ قَوْلُ صَفْوانَ لِأبِي سُفْيانَ: لَأنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلامِ الصِّحاحِ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: والرَّبُّ السَّيِّدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّها»، والرَّبُّ: المُصْلِحُ والمُدَبِّرُ والجابِرُ والقائِمُ قالَ: والرَّبُّ المَعْبُودُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ و العالَمِينَ: جَمْعُ العالَمِ، وهو كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: أهْلُ كُلِّ زَمانٍ عالَمٌ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العالَمُونَ الجِنُّ والإنْسُ. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: العالَمُ عِبارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ وهم أرْبَعَةُ أُمَمٍ: الإنْسُ، والجِنُّ، والمَلائِكَةُ، والشَّياطِينُ. ولا يُقالُ لِلْبَهائِمِ عالَمٌ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إنَّما هو جَمْعُ ما يَعْقِلُ. حَكى هَذِهِ الأقْوالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ وذَكَرَ أدِلَّتَها وقالَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ومَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العِلْمِ والعَلامَةِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُوجِدِهِ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ: العالَمُ كُلُّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ انْتَهى. وعَلى هَذا يَكُونُ جَمْعُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ. وقالَ في الكَشّافِ: ساغَ ذَلِكَ لِمَعْنى الوَصْفِيَّةِ فِيهِ، وهي الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى العِلْمِ. وقَدْ أخْرَجَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: إلَهُ الخَلْقِ كُلِّهِ: السَّماواتُ كُلُّهُنَّ ومَن فِيهِنَّ: والأرَضُونَ كُلُّهُنَّ ومِن فِيهِنَّ ومَن بَيْنَهُنَّ مِمّا يُعْلَمُ ومِمّا لا يُعْلَمُ. * * * ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. قالَ القُرْطُبِيُّ: وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بَعْدَ رَبِّ العالَمِينَ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في اتِّصافِهِ بِرَبِّ العالَمِينَ تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ لِيَجْمَعَ في صِفاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنهُ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونَ أعُونَ عَلى طاعَتِهِ وأمْنَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] وقالَ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣] . وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمِعَ في جَنَّتِهِ أحَدٌ، ولَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتِهِ أحَدٌ انْتَهى» . وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ما وُصِفَ مِن خَلْقِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالَ: مَدَحَ نَفْسَهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب