الباحث القرآني

وقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «إِمَّا» : شرطٌ وجوابُ الشرطِ قوله: فَاسْتَعِذْ والنَّزْغُ: فِعْلُ الشيطانِ في قَلْبٍ أو يدٍ من إلقاءِ غَضَبٍ، أو حقدٍ، أو بطشٍ في اليد. فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: 100] ، ومن البطش قول النبيّ ﷺ: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغُ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ فَيُلْقِيَهُ في حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» [[أخرجه البخاري (13/ 26) كتاب «الفتن» باب: قول النبي ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (7072) ، ومسلم (4/ 2020) كتاب «البر والصلة والآداب» باب: النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم (16/ 2617) ، وأحمد (2/ 317) .]] . ومن دعاء الشيخِ الوليِّ العارف باللَّه سبحانه، محمَّد بن مَسَرَّة القُرْطُبِيِّ: اللَّهُمَّ، لاَ تَجْعَلْ صدري للشيطان مَرَاغاً، ولا تُصَيِّرْ قلبي له مجالاً، ولا تَجْعَلْنِي، مِمَّنِ استفزَّهُ بصوته، وأجلب عليه بخيله ورَجْلِهِ، وكُنْ لي من حبائله مُنْجِياً، ومن مصائده مُنْقِذاً، ومن غَوَايَتِهِ مُبْعِداً، اللهم إنَّه وَسْوَسَ في القلب، وألقى في النَّفْس ما لا يطيقُ اللِسانُ ذِكْرَهُ، ولا تستطيعُ النَّفْس نشره مِمَّا نَزَّهَك عنه عُلُوُّ عِزِّكَ، وسُمُوُّ مجدك، فَأَزِلْ يا سيِّدِي ما سَطَرَ، وامح ما زَوَّرَ بوَابِلِ من سحائِبِ عَظَمَتِكَ وطُوفَانٍ مِنْ بِحَارِ نُصْرَتِكَ، واسلل عليه سيفَ إبعادك، وارشقه بسهام إقصائِكَ، وأحْرِقْهُ بنار/ انتقامك، واجعل خَلاَصِي منه زائداً في حُزْنِهِ، وَمُؤَكِّداً لأسفه، ثم قال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّه ربما كان العبد في خَلْوَتِهِ مشتغلاً بتلاوته، ويجدُ في نفسه من الوسوسة ما يحولُ بينه وبين رَبِّه، حتى لا يَجِدَ لطعمِ الذِّكْرِ حلاوةً، ويجدَ في قلبه قساوةً، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعِلَّةُ ذلك أَنَّ الذِّكْرَ ذِكْرَانِ: ذكرُ خَوْفٍ ورهبةٍ، وذكْرُ أَمْنٍ وغفلةٍ، فإذا كان [الذِّكْرُ بالخَوْفِ والرهبة، خَنَسَ الشيطانُ، ولم يحتملِ الحَمْلَةَ، وأذهب الوسوسة لأنَّ الذكر إذا كان] [[سقط في: د.]] باجتماع القلب وصِدْقِ النية، لم يكُنْ للشيطانِ قُوَّةٌ عند ذلك، وانقطعَتْ علائقُ حِيَلِهِ وإنَّما قُوَّتُهُ ووسوستُهُ مع الغَفْلَة، وإذا كان [الذِّكْرُ بالأَمْنِ والغَفْلَةِ لَمْ تفارقْهُ الوَسْوَسَةُ، وإنِ استدام العَبْدُ الذِّكْرَ والقراءةَ لأَنَّ على قلب الغافلِ غشاوةً ولا يجد] [[سقط في: د.]] صاحبها لطعم الذكْرِ حلاوةً، فَتَحَفَّظْ على دينك من هذا العدوّ، وليس لك أن تزيله عن مرتبته، ولا أَنْ تزيحَهُ عن وطنه، وإنما أُبِيحَ لك مجاهدته، فاستعنْ باللَّه يُعِنْك، وثِقْ باللَّه فإنَّهُ لا يَخْذُلُكَ قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] ، انتهى من تصنيفه- رحمه اللَّه-. وندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، وعَلِمَ سبحانه أَنَّ خِلْقَةَ البشر تغلب أحياناً وتَثُورُ بِهِمْ سَوْرَةُ الغضب ونَزْغُ الشيطان فَدَلَّهُمْ في هذه الآية على ما يُذْهِبُ ذلك، وهي الاستعاذة به عزَّ وجلَّ، ثم عَدَّدَ سبحانه آياته ليعتبر فيها، فقال: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، ثم قال تعالى: لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ: وإِنْ كانت لكم فيهما منافع لأَنَّ النفع منهما إنَّما هو بتسخير اللَّهِ إيَّاهما، فهو الذي ينبغي أَنْ يُسْجَدَ له، والضمير في خَلَقَهُنَّ قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرُهَا، وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضاً جمع ما لاَ يَعْقِلُ يُؤنَّثُ/، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ ومن حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمار لاِختلافهما بالأَيَّامِ ساغ أنْ يعود الضميرُ مجموعاً، وقيل: هو عائد على الأربعة المذكورة. ت: ومن كتاب «المستغيثين باللَّه» لأبي القاسم بن بَشْكَوَال حَدَّثَ بسنده إلى أَنس بن مالك، قال: تقرأ «حم السجدة» ، وتَسْجُدُ عند السجدة، وتَدْعُو فإنَّه يُسْتَجَابُ لك، قال الراوي: وَجَرَّبْتُهُ فوجدته مُسْتَجاباً، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نَبِيَّهُ- عليه السلام- بما يتضمَّن وعيدهم وحقارَة أمرهم، وأَنَّهُ سبحانه غَنِيٌّ عن عبادتهم بقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ... الآية، وقوله: فَالَّذِينَ يعني بهم الملائكة هم صَافُّونَ يسبحون، وعِنْدَ هنا ليست بظرف مكان وإِنَّما هي بمعنى المنزلة والقربةِ [كما تقول: زَيْدٌ عنْدَ الْمَلِكِ جليلٌ، ويروى أَنَّ تَسبيحَ الملائكة قد صار لهم كالنّفس لبني آدم، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ معناه: لا] [[سقط في: د.]] يَملُّون، ثم ذكر تعالى آيةً منصوبةً ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدِلَّ بما شُوهِدَ من هذه على ما لم يشاهد، فقال: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ... الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشَعَثٍ بالجَدْبِ، فهي عابسةٌ كما الخاشِعُ عَابِسٌ يكاد يَبْكِي، واهتزاز الأرض: هو تَخَلْخُلُ أجْزَائِهَا وَتَشَقُّقُهَا للنبات، ورُبُوُّهَا: هو انتفاخها بالماء وعُلُوُّ سطحِها به، وعبارة البخاريِّ: اهتزت بالنبات، ورَبَت: ارتفعَت اهـ، ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أنْ يُقَاسَ على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، فقال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والشيء في اللغة: الموجود.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب