الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بِوُجُوبِ الكَوْنِ في مُوافَقَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، أكَّدَ ذَلِكَ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ. فَقالَ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ والأعْرابُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بَلْ هَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأعْرابِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُوا لِأنْفُسِهِمِ الحِفْظَ والدَّعَةَ حالَ ما يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ في الحَرِّ والمَشَقَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يُقالُ: رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ تَوَقَّفْتُ عَنْهُ وتَرَكْتُهُ، وأنا أرْغَبُ بِفُلانٍ عَنْ هَذا أيْ أبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ولا أتْرُكُهُ. والمَعْنى: لَيْسَ لَهم أنْ يَكْرَهُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَرْضاهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِنَفْسِهِ.
(p-١٧٨)واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الألْفاظِ وُجُوبُ الجِهادِ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ، إلّا أنّا نَقُولُ: المَرْضى والضُّعَفاءُ والعاجِزُونَ مَخْصُوصُونَ بِدَلِيلِ العَقْلِ وأيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وأيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ (النُّورِ: ٦١) الآيَةَ وأمّا أنَّ الجِهادَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ دَلَّ الإجْماعُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا مِن هَذا العُمُومِ وبَقِيَ ما وراءَ هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ مِنَ التَّخَلُّفِ بَيَّنَ أنَّهُ لا يُصِيبُهم في ذَلِكَ السَّفَرِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَشَقَّةِ إلّا وهو يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ أُمُورًا خَمْسَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ وهو شِدَّةُ العَطَشِ، يُقالُ ظَمِئَ فُلانٌ إذا اشْتَدَّ عَطَشُهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا نَصَبٌ﴾ ومَعْناهُ الإعْياءُ والتَّعَبُ.
وثالِثُها: ﴿ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ مَجاعَةً شَدِيدَةً يَظْهَرُ بِها ضُمُورُ البَطْنِ ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ خَمِيصُ البَطْنِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ ولا يَضَعُ الإنْسانُ قَدَمَهُ ولا يَضَعُ فَرَسُهُ حافِرَهُ ولا يَضَعُ بِعِيرُهُ خُفَّهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْظِ الكُفّارِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ غاظَهُ وغَيَّظَهُ وأغاظَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ أغْضَبَهُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ أسْرًا وقَتْلًا وهَزِيمَةً قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا﴿إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ إلّا كانَ ذَلِكَ قُرْبَةً لَهم عِنْدَ اللَّهِ، ونَقُولُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ كانَ قِيامُهُ وقُعُودُهُ ومِشْيَتُهُ وحَرَكَتُهُ وسُكُونُهُ كُلُّها حَسَناتٍ مَكْتُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ. وكَذا القَوْلُ في طَرَفِ المَعْصِيَةِ فَما أعْظَمَ بَرَكَةُ الطّاعَةِ وما أعْظَمَ شُؤْمُ المَعْصِيَةِ ! واخْتَلَفُوا فَقالَ قَتادَةُ: هَذا الحُكْمُ مِن خَواصِّ رَسُولِ اللَّهِ إذا غَزا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إلّا بِعُذْرٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ فَلَمّا كَثُرُوا نَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٢) وقالَ عَطِيَّةُ: ما كانَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دَعاهم وأمَرَهم وهَذا هو الصَّحِيحُ، لِأنَّهُ تَتَعَيَّنُ الإجابَةُ والطّاعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ إذا أمَرَ وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الوُلاةِ والأئِمَّةِ إذا نُدِبُوا وعُيِّنُوا؛ لِأنّا لَوْ سَوَّغْنا لِلْمَندُوبِ أنْ يَتَقاعَدَ لَمْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ بَعْضٌ دُونِ بَعْضٍ ولَأدّى ذَلِكَ إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ يُرِيدُ تَمْرَةً فَما فَوْقَها وعَلاقَةَ سَوْطٍ فَما فَوْقَها﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾، والوادِي كُلُّ مُفْرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَسْلَكًا لِلسَّيْلِ، والجَمْعُ الأوْدِيَةُ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ الإنْفاقَ وذَلِكَ المَسِيرَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأحْسَنَ مِن صِفَةِ فِعْلِهِمْ، وفِيها الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ واللَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ عَلى الأحْسَنِ، وهو الواجِبُ والمَندُوبُ، دُونَ المُباحِ.
والثّانِي: أنَّ الأحْسَنَ صِفَةٌ لِلْجَزاءِ، أيْ يَجْزِيهِمْ جَزاءً هو أحْسَنُ مِن أعْمالِهِمْ وأجَلُّ وأفْضَلُ، وهو الثَّوابُ.
{"ayahs_start":120,"ayahs":["مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا یُصِیبُهُمۡ ظَمَأࣱ وَلَا نَصَبࣱ وَلَا مَخۡمَصَةࣱ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا یَطَـُٔونَ مَوۡطِئࣰا یَغِیظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا یَنَالُونَ مِنۡ عَدُوࣲّ نَّیۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلࣱ صَـٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ","وَلَا یُنفِقُونَ نَفَقَةࣰ صَغِیرَةࣰ وَلَا كَبِیرَةࣰ وَلَا یَقۡطَعُونَ وَادِیًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِیَجۡزِیَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ"],"ayah":"مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا یُصِیبُهُمۡ ظَمَأࣱ وَلَا نَصَبࣱ وَلَا مَخۡمَصَةࣱ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا یَطَـُٔونَ مَوۡطِئࣰا یَغِیظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا یَنَالُونَ مِنۡ عَدُوࣲّ نَّیۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلࣱ صَـٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق