الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: قِراءَةُ العامَّةِ بِالتّاءِ ويُؤَكِّدُهُ حَرْفُ أُبَيٍّ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ عَمَلَ الدُّنْيا عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الدُّنْيا أُحْضِرَتْ، وعُجِّلَ لَنا طَعامُها وشَرابُها ونِساؤُها ولَذّاتُها وبَهْجَتُها، وإنَّ الآخِرَةَ لَغَيْبٌ لَنا وزُوِيَتْ عَنّا، فَأخَذْنا بِالعاجِلِ وتَرَكْنا الآجِلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”يُؤْثِرُونَ“ بِالياءِ يَعْنِي: الأشْقى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾
وتَمامُهُ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَيْرًا وأبْقى فَهو آثَرُ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآخِرَةُ آثَرَ مِنَ الدُّنْيا وهم كانُوا يُؤْثِرُونَ الدُّنْيا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الآخِرَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، والدُّنْيا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فالآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا.
وثانِيها: أنَّ الدُّنْيا لَذّاتُها مَخْلُوطَةٌ بِالآلامِ، والآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ، والباقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفانِي.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مِنهم مَن قالَ: جَمِيعُ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والوَعْدِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُشارُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الإشارَةِ هو مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ إشارَةً إلى تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي.
أمّا القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ فَعَنْ جَمِيعِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ، وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَعَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الرُّوحِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَصَلّى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِ الجَوارِحِ وتَزْيِينِها بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الزَّجْرِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الآخِرَةِ وفي ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ أُمُورٌ لا يَجُوزُ أنْ تَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ وهَذا الوَجْهُ كَما تَأكَّدَ بِالفِعْلِ فالخَبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ: هَلْ في الدُّنْيا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ فَقالَ: اقْرَأْ يا أبا ذَرٍّ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وذَلِكَ هو هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] .
{"ayahs_start":16,"ayahs":["بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا","وَٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤ","إِنَّ هَـٰذَا لَفِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ"],"ayah":"إِنَّ هَـٰذَا لَفِی ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











