الباحث القرآني
(p-١٢٣)[ سُورَةُ الأعْلى ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾
﷽
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِتَنْزِيهِ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسِهِ.
والثّانِي: أنَّ الِاسْمَ صِلَةٌ والمُرادُ الأمْرُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَفي اللَّفْظِ احْتِمالاتٌ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ نَزِّهِ اسْمَ رَبِّكَ عَنْ أنْ تُسَمِّيَ بِهِ غَيْرَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَلى أنْ يُدْعى غَيْرُهُ بِاسْمِهِ، كَما كانَ المُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الصَّنَمَ بِاللّاتِ، ومُسَيْلِمَةَ بِرَحْمانِ اليَمامَةِ.
وثانِيها: أنْ لا يُفَسَّرُ أسْماؤُهُ بِما لا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ نَحْوَ أنْ يُفَسَّرَ الأعْلى بِالعُلُوِّ في المَكانِ والِاسْتِواءُ بِالِاسْتِقْرارِ بَلْ يُفَسَّرُ العُلُوُّ بِالقَهْرِ والِاقْتِدارِ والِاسْتِواءُ بِالِاسْتِيلاءِ.
وثالِثُها: أنْ يُصانَ عَنِ الِابْتِذالِ والذِّكْرِ لا عَلى وجْهِ الخُشُوعِ والتَّعْظِيمِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ يَذْكُرَ تِلْكَ الأسْماءَ عِنْدَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى مَعانِيها وحَقائِقِها.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، أيْ مَجِّدْهُ بِأسْمائِهِ الَّتِي أنْزَلْتُها عَلَيْكَ وعَرَّفْتُكَ أنَّها أسْماؤُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ونَظِيرُ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] ومَقْصُودُ الكَلامِ مِن هَذا التَّأْوِيلِ أمْرانِ: أحَدُهُما: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، أيْ صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ، لا كَما يُصَلِّي المُشْرِكُونَ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ.
والثّانِي: أنْ لا يَذْكُرَ العَبْدُ رَبَّهُ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي ورَدَ التَّوْقِيفُ بِها، قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ بَيْنَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وبَيْنَ (سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) قالَ الواحِدِيُّ: وبَيْنَهُما فَرْقٌ لِأنَّ مَعْنى (سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) نَزِّهِ اللَّهَ تَعالى بِذِكْرِ اسْمِهِ المُنْبِئِ عَنْ تَنْزِيهِهِ وعُلُوِّهِ عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ نَزِّهِ الِاسْمَ (p-١٢٤)مِنَ السُّوءِ وخامِسُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هاهُنا الصِّفَةُ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] أمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ الِاسْمُ صِلَةً ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ وهو اخْتِيارُ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، قالُوا: لِأنَّ الِاسْمَ في الحَقِيقَةِ لَفْظَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن حُرُوفٍ ولا يَجِبُ تَنْزِيهُها كَما يَجِبُ في اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ المَذْكُورَ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ لا يُذْكَرُ هو بَلْ يُذْكَرُ اسْمُهُ فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ، ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، وقالَ لَبِيدٌ:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما
أيِ السَّلامُ وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ في اللُّغَةِ، ونَقُولُ عَلى هَذا الوَجْهِ: تَسْبِيحُ اللَّهِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ لا يُعامِلَ الكُفّارَ مُعامَلَةً يُقْدِمُونَ بِسَبَبِها عَلى ذِكْرِ اللَّهِ بِما لا يَنْبَغِي عَلى ما قالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
الثّانِي: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أفْعالِهِ، وفي أسْمائِهِ وفي أحْكامِهِ، أمّا في ذاتِهِ فَأنْ يَعْتَقِدَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، وأمّا في صِفاتِهِ، فَأنْ يَعْتَقِدَ أنَّها لَيْسَتْ مُحْدَثَةً ولا مُتَناهِيَةً ولا ناقِصَةً، وأمّا في أفْعالِهِ فَأنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مالِكٌ مُطْلَقٌ، فَلا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ فَهو صَوابٌ حَسَنٌ، وأنَّهُ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ ولا يَرْضى بِهِ، وأمّا في أسْمائِهِ فَأنْ لا يُذْكَرَ سُبْحانَهُ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي ورَدَ التَّوْقِيفُ بِها، هَذا عِنْدَنا وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَهو أنْ لا يُذْكَرَ إلّا بِالأسْماءِ الَّتِي لا تُوهِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سَواءً ورَدَ الإذْنُ بِها أوْ لَمْ يَرِدْ، وأمّا في أحْكامِهِ فَهو أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ ما كَلَّفَنا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ. بَلْ إمّا لِمَحْضِ المالِكِيَّةِ عَلى ما هو قَوْلُنا، أوْ لِرِعايَةِ مَصالِحِ العِبادِ عَلى ما [ هو ] قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى، فَأقُولُ: إنَّ الخَوْضَ في الِاسْتِدْلالِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فَلا بُدَّ هاهُنا مِن بَيانِ أنَّ الِاسْمَ ما هو والمُسَمّى ما هو حَتّى يُمْكِنَنا أنْ نَخُوضَ في الِاسْمِ هَلْ هو نَفْسُ المُسَمّى أمْ لا، فَنَقُولُ: وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ هو هَذا اللَّفْظُ، وبِالمُسَمّى تِلْكَ الذّاتُ، فالعاقِلُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وإنْ كانَ المُرادُ، مِنَ الِاسْمِ هو تِلْكَ الذّاتُ، وبِالمُسَمّى أيْضًا تِلْكَ الذّاتُ كانَ قَوْلُنا الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى، هو أنَّ تِلْكَ الذّاتِ نَفْسُ تِلْكَ الذّاتِ، وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُنازِعَ فِيهِ عاقِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ في وصْفِها رَكِيكَةٌ. وإنْ كانَ كَذَلِكَ كانَ الخَوْضُ في ذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ أرَكَّ وأبْعَدَ بَلْ هاهُنا دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ قَوْلَنا: اسْمٌ لَفْظَةٌ جَعَلْناها اسْمًا لِكُلِّ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى غَيْرِ مُقْتَرِنٍ بِزَمانٍ، والِاسْمُ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ اسْمًا لِنَفْسِهِ فَهاهُنا الِاسْمُ نَفْسُ المُسَمّى فَلَعَلَّ العُلَماءَ الأوَّلِينَ ذَكَرُوا ذَلِكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى المُتَأخِّرِينَ، وظَنُّوا أنَّ الِاسْمَ في جَمِيعِ المَواضِعِ نَفْسُ المُسَمّى، هَذا حاصِلُ التَّحْقِيقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى الكَلامِ المَأْلُوفِ، قالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ نَفْسُ المُسَمّى أنَّ أحَدًا لا يَقُولُ سُبْحانَ اسْمِ اللَّهِ وسُبْحانَ اسْمِ رَبِّنا فَمَعْنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ سَبِّحْ رَبَّكَ، والرَّبُّ أيْضًا اسْمٌ فَلَوْ كانَ غَيْرَ المُسَمّى لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ التَّسْبِيحُ عَلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا في المَسْألَةِ الأُولى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ وارِدًا بِتَسْبِيحِ الِاسْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَسْبِيحَ المُسَمّى وذُكِرَ الِاسْمُ صِلَةً فِيهِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ كَما يُقالُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ويَكُونُ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ أسْمائِهِ.
(p-١٢٥)المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اجْعَلُوها في رُكُوعِكم“ ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ قالَ: ”اجْعَلُوها في سُجُودِكم“» ثُمَّ رُوِيَ في الأخْبارِ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: في رُكُوعِهِ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ“ وفي سُجُودِهِ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى“» ثُمَّ مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الأحادِيثَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيْ صَلِّ بِاسْمِ رَبِّكَ، ويَتَأكَّدُ هَذا الِاحْتِمالُ بِإطْباقِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ورَدَ في بَيانِ أوْقاتِ الصَّلاةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنُ عُمَرَ: (سُبْحانَ الأعْلى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى) ولَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: (سَبِّحْ) أمْرٌ بِالتَّسْبِيحِ فَلا بُدَّ وأنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ التَّسْبِيحُ وما هو إلّا قَوْلُهُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ في إثْباتِ العُلُوِّ بِالمَكانِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّكَ الأعْلى﴾ والحَقُّ أنَّ العُلُوَّ بِالجِهَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ، فَإنْ كانَ مُتَناهِيًا كانَ طَرَفُهُ الفَوْقانِيُّ مُتَناهِيًا، فَكانَ فَوْقَهُ جِهَةً فَلا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ أعْلى مِن جَمِيعِ الأشْياءِ وأمّا إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فالقَوْلُ: بِوُجُودِ أبْعادٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مُحالٌ وأيْضًا فَلِأنَّهُ إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتُهُ تَعالى مُخْتَلِطَةً بِالقاذُوراتِ تَعالى اللَّهَ عَنْهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن بَعْضِ الجِهاتِ ومُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجِهاتِ كانَ الجانِبُ المُتَناهِي مُغايِرًا لِلْجانِبِ غَيْرِ المُتَناهِي فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ، وهَذا مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ العُلُوَّ هاهُنا لَيْسَ بِمَعْنى العُلُوِّ في الجِهَةِ، مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ بِالجِهَةِ، أمّا ما قَبْلَ الآيَةِ فَلِأنَّ العُلُوَّ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العالَمِ، وهَذا لا يُناسِبُ اسْتِحْقاقَ التَّسْبِيحِ والثَّناءِ والتَّعْظِيمِ، أمّا العُلُوُّ بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالتَّخْلِيقِ والإبْداعِ فَيُناسِبُ ذَلِكَ، والسُّورَةُ هاهُنا مَذْكُورَةٌ لِبَيانِ وصْفِهِ تَعالى بِما لِأجْلِهِ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ والتَّعْظِيمَ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ أرْدَفَ قَوْلَهُ: (الأعْلى) بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ والخالِقِيَّةُ تُناسِبُ العُلُوَّ بِحَسَبِ القُدْرَةِ لا العُلُوَّ بِحَسَبِ الجِهَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: بِأنَّ القُرْآنَ مُشْعِرٌ بِأنَّ لِلْعالَمِ رَبَّيْنِ أحَدُهُما عَظِيمٌ والآخَرُ أعْلى مِنهُ، أمّا العَظِيمُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وأمّا الأعْلى مِنهُ فَقَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ رَبٍّ آخَرَ يَكُونُ هَذا أعْلى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الصّانِعَ تَعالى واحِدٌ سَقَطَ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ نَقُولُ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى مِن رَبٍّ آخَرَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ أعْلى، ثُمَّ لَنا فِيهِ تَأْوِيلاتٌ.
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْلى وأجَلُّ وأعْظَمُ مِن كُلِّ ما يَصِفُهُ بِهِ الواصِفُونَ، ومِن كُلِّ ذِكْرٍ يَذْكُرُهُ بِهِ الذّاكِرُونَ، فَجَلالُ كِبْرِيائِهِ أعْلى مِن مَعارِفِنا وإدْراكاتِنا، وأصْنافُ آلائِهِ ونَعْمائِهِ أعْلى مِن حَمْدِنا وشُكْرِنا، وأنْواعُ حُقُوقِهِ أعْلى مِن طاعاتِنا وأعْمالِنا.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (الأعْلى) تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ التَّنْزِيهَ مِن كُلِّ نَقْصٍ فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ: (الأعْلى) أيْ فَإنَّهُ العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِمُلْكِهِ وسُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو كَما تَقُولُ: اجْتَنَبْتُ الخَمْرَ المُزِيلَةَ لِلْعَقْلِ أيِ اجْتَنَبْتُها بِسَبَبِ كَوْنِها مُزِيلَةً لِلْعَقْلِ.
(p-١٢٦)والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأعْلى العالِيَ كَما أنَّ المُرادَ بِالأكْبَرِ الكَبِيرُ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ويَقُولُ: ”«لَوْ عَلِمَ النّاسُ عِلْمَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى لَرَدَّدَها أحَدُهم سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً» “ ورُوِيَ: ”أنَّ عائِشَةَ مَرَّتْ بِأعْرابِيٍّ يُصَلِّي بِأصْحابِهِ فَقَرَأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، الَّذِي يُسِرُّ عَلى الحُبْلى، فَأخْرَجَ مِنها نَسَمَةً تَسْعى، مِن بَيْنِ صِفاقٍ وحَشا، ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، ألا بَلى ألا بَلى) فَقالَتْ عائِشَةُ: لا آبَ غائِبُكم، ولا زالَتْ نِساؤُكم في لَزْبَةٍ“ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ، فَكَأنَّ سائِلًا قالَ: الِاشْتِغالُ بِالتَّسْبِيحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ ؟ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالخَلْقِ والهِدايَةِ هي الطَّرِيقَةُ المُعْتَمَدَةُ عِنْدَ أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وحَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ [طه: ٤٩] ؟ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى أوَّلُ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] هَذا إشارَةٌ إلى الخَلْقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٣] وهَذا إشارَةٌ إلى الهِدايَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ ذِكْرَ تِلْكَ الحُجَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ وإنَّما وقَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ كَثِيرًا لِما ذَكَرْنا أنَّ العَجائِبَ والغَرائِبَ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أكْثَرُ، ومُشاهَدَةَ الإنْسانِ لَها، واطِّلاعَهُ عَلَيْها أتَمُّ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْوى في الدَّلالَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:
{"ayah":"سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











