الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ إنِ انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ حَصَلَ لَهُمُ الغُفْرانُ، وإنْ عادُوا فَهم مُتَوَعَّدُونَ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ بِقِتالِهِمْ إذا أصَرُّوا فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كانَ المُؤْمِنُونَ في مَبْدَأِ الدَّعْوَةِ يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، فافْتَتَنَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْضُهم وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَخْرُجُوا إلى الحَبَشَةِ، وفِتْنَةٌ ثانِيَةٌ وهو أنَّهُ لَمّا بايَعَتِ الأنْصارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ العَقَبَةِ، تَآمَرَتْ قُرَيْشٌ أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ عَنْ دِينِهِمْ، فَأصابَ المُؤْمِنِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِهِمْ حَتّى تَزُولَ هَذِهِ الفِتْنَةُ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ مُبالَغَةَ النّاسِ في حُبِّهِمْ أدْيانَهم أشَدُّ مِن مُبالَغَتِهِمْ في حُبِّهِمْ أرْواحَهم، فالكافِرُ أبَدًا يَسْعى بِأعْظَمِ وُجُوهِ السَّعْيِ في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ وفي إلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ، وفي إلْقائِهِمْ في وُجُوهِ المِحْنَةِ والمَشَقَّةِ، وإذا وقَعَتِ المُقاتَلَةُ زالَ الكُفْرُ والمَشَقَّةُ، وخَلَصَ الإسْلامُ وزالَتْ تِلْكَ الفِتَنُ بِالكُلِّيَّةِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِقِتالِهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها أوْجَبَ قِتالَهم، فَقالَ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ويَخْلُصُ الدِّينُ الَّذِي هو دِينُ اللَّهِ مِن سائِرِ الأدْيانِ، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا المَقْصُودُ إذا زالَ الكُفْرُ بِالكُلِّيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ لِأجْلِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى، أوْ يَكُونَ المُرادُ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ لِغَرَضِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى مِنَ القِتالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ في أرْضِ مَكَّةَ وما حَوالَيْها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصَلَ هُنا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ البِلادِ، إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُرادًا لَما بَقِيَ الكُفْرُ فِيها مَعَ حُصُولِ القِتالِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: قاتِلُوهم لِغَرَضِ أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَمْتَنِعْ حَمْلُهُ عَلى إزالَةِ الكُفْرِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ غَرَضًا لِلْإنْسانِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ، فَكانَ المُرادُ الأمْرَ بِالقِتالِ لِحُصُولِ هَذا الغَرَضِ سَواءٌ حَصَلَ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ لَمْ يَحْصُلْ.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والمَعْنى﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عالِمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ يُوَصِّلُ إلَيْهِمْ ثَوابَهُمْ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنِ التَّوْبَةِ والإيمانِ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ ولِيُّكُمُ الَّذِي يَحْفَظُكم ويَرْفَعُ البَلاءَ عَنْكم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ وكُلُّ ما كانَ في حِمايَةِ هَذا المَوْلى وفي حِفْظِهِ وكِفايَتِهِ، كانَ آمِنًا مِنَ الآفاتِ مَصُونًا عَنِ المُخَوِّفاتِ.
{"ayahs_start":39,"ayahs":["وَقَـٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةࣱ وَیَكُونَ ٱلدِّینُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا یَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ","وَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ"],"ayah":"وَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











