الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ ”عالِيهِمْ“ بِإسْكانِ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، أمّا القِراءَةُ الأُولى فالوَجْهُ فِيها أنْ يَكُونَ ”عالِيهِمْ“ مُبْتَدَأً، و”ثِيابُ سُنْدُسٍ“ خَبَرَهُ، والمَعْنى: ما يَعْلُوهم مِن لِباسِهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، فَإنْ قِيلَ: ”عالِيهِمْ“ مُفْرَدٌ، و”ثِيابُ سُنْدُسٍ“ جَماعَةٌ، والمُبْتَدَأُ إذا كانَ مُفْرَدًا لا يَكُونُ خَبَرُهُ جَمْعًا، قُلْنا: المُبْتَدَأُ، وهو قَوْلُهُ: (عالِيهِمْ) وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ، فَهو جَمْعٌ في المَعْنى، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ كَأنَّهُ أُفْرِدَ مِن حَيْثُ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ.
أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي فَتْحُ الياءِ، فَذَكَرُوا في هَذا النَّصْبِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ”عالِي“ بِمَعْنى فَوْقُ أُجْرِيَ مَجْراهُ في هَذا الإعْرابِ، كَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كَذَلِكَ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، ثُمَّ هَذا أيْضًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ حالَ ما يَكُونُ الأبْرارُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ.
ورابِعُها: حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، فَعَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ تَكُونُ الثِّيابُ ثِيابَ الأبْرارِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الرّابِعِ تَكُونُ الثِّيابُ ثِيابَ الوِلْدانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في سَبَبِ هَذا النَّصْبِ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: رَأيْتَ أهْلَ نَعِيمٍ ومُلْكٍ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ: ”خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ“ كِلاهُما بِالرَّفْعِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ كِلاهُما بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”خُضْرٍ“ بِالخَفْضِ، و”إسْتَبْرَقٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: ”خُضْرٌ“ بِالرَّفْعِ، (p-٢٢٤)و”إسْتَبْرَقٍ“ بِالخَفْضِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ خُضْرًا يَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ والرَّفْعُ، أمّا الرَّفْعُ فَإذا جَعَلْتَها صِفَةً لِثِيابٍ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها صِفَةُ مَجْمُوعَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَجْمُوعَةٍ، وأمّا الخَفْضُ فَإذا جَعَلْتَها صِفَةَ سُنْدُسٍ؛ لِأنَّ ”سُنْدُسٍ“ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فَكانَ في مَعْنى الجَمْعِ، وأجازَ الأخْفَشُ وصْفَ اللَّفْظِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِالجَمْعِ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ، والدِّرْهَمُ البِيضُ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ قَبِيحٌ، والدَّلِيلُ عَلى قُبْحِهِ أنَّ العَرَبَ تَجِيءُ بِالجَمْعِ الَّذِي هو في لَفْظِ الواحِدِ فَيُجْرُونَهُ مُجْرى الواحِدِ، وذَلِكَ قَوْلُهم: حَصًى أبْيَضُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] إذْ كانُوا قَدْ أفْرَدُوا صِفاتِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الجَمْعِ، فالواحِدُ الَّذِي في مَعْنى الجَمْعِ أوْلى أنْ تُفْرَدَ صِفَتُهُ. وأمّا ”إسْتَبْرَقٌ“ فَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والخَفْضُ أيْضًا مَعًا، أمّا الرَّفْعُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ العَطْفُ عَلى الثِّيابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٌ“ وأمّا الخَفْضُ فَإذا أُرِيدَ إضافَةُ الثِّيابِ إلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ”ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ“ والمَعْنى ثِيابُهُما، فَأضافَ الثِّيابَ إلى الجِنْسَيْنِ، كَما يُقالُ: ثِيابُ خَزٍّ وكَتّانٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ حَقائِقَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الكَهْفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في اسْمِ الحَرِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ هَذا لِباسُهم هُمُ الوِلْدانُ المُخَلَّدُونَ، وقِيلَ: هَذا لِباسُ الأبْرارِ، وكَأنَّهم يَلْبَسُونَ عِدَّةً مِنَ الثِّيابِ، فَيَكُونُ الَّذِي يَعْلُوها أفْضَلَها، ولِهَذا قالَ: ﴿عالِيَهُمْ﴾ وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾، ومَعْنى ﴿عالِيَهُمْ﴾ أيْ: فَوْقَ حِجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، والمَعْنى أنَّ حِجالَهم مِنَ الحَرِيرِ والدِّيباجِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾، وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] فَكَيْفَ جَعَلَ تِلْكَ الأساوِرَ هَهُنا مِن فِضَّةٍ ؟ (والجَوابُ) مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَعَلَّهم يُسَوَّرُونَ بِالجِنْسَيْنِ؛ إمّا عَلى المُعاقَبَةِ أوْ عَلى الجَمْعِ كَما تَفْعَلُ النِّساءُ في الدُّنْيا.
وثانِيها: أنَّ الطِّباعَ مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّ إنْسانٍ يَكُونُ اسْتِحْسانُهُ لِبَياضِ الفِضَّةِ فَوْقَ اسْتِحْسانِهِ لِصُفْرَةِ الذَّهَبِ، فاللَّهُ تَعالى يُعْطِي كُلَّ أحَدٍ ما تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِيهِ أتَمَّ، ومَيْلُهُ إلَيْهِ أشَدَّ.
وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الأسْوِرَةَ مِنَ الفِضَّةِ إنَّما تَكُونُ لَلْوِلْدانِ، الَّذِينَ هُمُ الخَدَمُ، وأسْوِرَةُ الذَّهَبِ لِلنّاسِ.
السُّؤالُ الثّانِي: السُّوارُ إنَّما يَلِيقُ بِالنِّساءِ، وهو عَيْبٌ لِلرِّجالِ، فَكَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ ؟ (الجَوابُ): أهْلُ الجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ شَبابٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُحَلَّوْا ذَهَبًا وفِضَّةً، وإنْ كانُوا رِجالًا، وقِيلَ: هَذِهِ الأسْوِرَةُ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ إنَّما تَكُونُ لِنِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ ولِلصِّبْيانِ فَقَطْ، ثُمَّ غَلَبَ في اللَّفْظِ جانِبُ التَّذْكِيرِ. وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ آلَةَ أكْثَرِ الأعْمالِ هي اليَدُ، وتِلْكَ الأعْمالُ والمُجاهَداتُ هي الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِها إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ الصَّمَدِيَّةِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الأعْمالُ جارِيَةً مَجْرى الذَّهَبِ والفِضَّةِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهِما إلى تَحْصِيلِ المَطالِبِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ صادِرَةً مِنَ اليَدِ كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ جارِيَةً مَجْرى سِوارِ (p-٢٢٥)الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَسُمِّيَتِ الأعْمالُ والمُجاهَداتُ بِسِوارِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ الفائِضَةِ عَنِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَهَذا احْتِمالٌ خَطَرَ بِالبالِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ الطَّهُورُ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُبالَغَةُ في كَوْنِهِ طاهِرًا، ثُمَّ فِيهِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَكُونُ نَجِسًا كَخَمْرِ الدُّنْيا.
وثانِيها: المُبالَغَةُ في البُعْدِ عَنِ الأُمُورِ المُسْتَقْذَرَةِ، يَعْنِي ما مَسَّتْهُ الأيْدِي الوَضِرَةُ، وما داسَتْهُ الأقْدامُ الدَّنِسَةُ.
وثالِثُها: أنَّها لا تَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّها تَرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ.
القَوْلُ الثّانِي في الطَّهُورِ: أنَّهُ المُطَهِّرُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ أيْضًا في الآيَةِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ تَنْبُعُ مِن ساقِ شَجَرَةٍ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مِن غِلٍّ وغِشٍّ وحَسَدٍ، وما كانَ في جَوْفِهِ مِن قَذَرٍ وأذًى.
وثانِيهِما: قالَ أبُو قِلابَةَ: يُؤْتَوْنَ الطَّعامَ والشَّرابَ، فَإذا كانَ في آخِرِ ذَلِكَ أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَطْهُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهم، ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ الطَّهُورُ مُطَهِّرًا؛ لِأنَّهُ يُطَهِّرُ باطِنَهم عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والأشْياءِ المُؤْذِيَةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ هو عَيْنُ ما ذَكَرَ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنَّهم يَشْرَبُونَ مِن عَيْنِ الكافُورِ والزَّنْجَبِيلِ والسَّلْسَبِيلِ، أوْ هَذا نَوْعٌ آخَرُ ؟ قُلْنا: بَلْ هَذا نَوْعٌ آخَرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: دَفْعُ التَّكْرارِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أضافَ هَذا الشَّرابَ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَضْلٍ في هَذا دُونَ غَيْرِهِ.
وثالِثُها: ما رُوِّينا أنَّهُ تُقَدَّمُ إلَيْهِمُ الأطْعِمَةُ والأشْرِبَةُ، فَإذا فَرَغُوا مِنها أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ، فَيُطَهِّرُ ذَلِكَ بُطُونَهم، ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الشَّرابَ مُغايِرٌ لِتِلْكَ الأشْرِبَةِ، ولِأنَّ هَذا الشَّرابَ يَهْضِمُ سائِرَ الأشْرِبَةِ، ثُمَّ لَهُ مَعَ هَذا الهَضْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ، وهو أنَّهُ يَجْعَلُ سائِرَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ عَرَقًا يَفُوحُ مِنهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ.
ورابِعُها: وهو أنَّ الرُّوحَ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، والأنْوارُ الفائِضَةُ مِن جَواهِرِ أكابِرِ المَلائِكَةِ وعُظَمائِهِمْ عَلى هَذِهِ الأرْواحِ مُشَبَّهَةٌ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يُزِيلُ العَطَشَ ويُقَوِّي البَدَنَ، وكَما أنَّ العُيُونَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّفاءِ والكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَكَذا يَنابِيعُ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها تَكُونُ كافُورِيَّةً عَلى طَبْعِ البَرْدِ واليُبْسِ، ويَكُونُ صاحِبُها في الدُّنْيا في مَقامِ الخَوْفِ والبُكاءِ والِانْقِباضِ، وبَعْضُها تَكُونُ زَنْجَبِيلِيَّةً عَلى طَبْعِ الحَرِّ واليُبْسِ، فَيَكُونُ صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ قَلِيلَ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، قَلِيلَ المُبالاةِ بِالأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ لا تَزالُ الرُّوحُ البَشَرِيَّةُ مُنْتَقِلَةً مِن يَنْبُوعٍ إلى يَنْبُوعٍ، ومِن نُورٍ إلى نُورٍ، ولا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ والمُسَبَّباتِ مُتَناهِيَةٌ في ارْتِقائِها إلى واجِبِ الوُجُودِ الَّذِي هو النُّورُ المُطْلَقُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَزَّ كَمالُهُ، فَإذا وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ وشَرِبَ مِن ذَلِكَ الشَّرابِ انْهَضَمَتْ تِلْكَ الأشْرِبَةُ المُتَقَدِّمَةُ، بَلْ فَنِيَتْ؛ لِأنَّ نُورَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى يَضْمَحِلُّ في مُقابَلَةِ نُورِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ، ومُنْتَهى دَرَجاتِهِمْ في الِارْتِقاءِ والكَمالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ثَوابِ الأبْرارِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ .
(p-٢٢٦)
{"ayah":"عَـٰلِیَهُمۡ ثِیَابُ سُندُسٍ خُضۡرࣱ وَإِسۡتَبۡرَقࣱۖ وَحُلُّوۤا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةࣲ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابࣰا طَهُورًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق