الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يُقالُ: وسْوَسَ إذا تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرُهُ، وبِهِ سُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسْواسًا وهو فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، كَقَوْلِنا: ولَوْلَتِ المَرْأةُ، وقَوْلِنا: وعْوَعَ الذِّئْبُ، ورَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الواوِ ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِالفَتْحِ، ولَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ، وهو الَّذِي يُلْقى إلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ ألْقاها إلَيْهِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ وسْوَسَ إلَيْهِ وآدَمُ كانَ في الجَنَّةِ وإبْلِيسُ أُخْرِجَ مِنها ؟ والجَوابُ: قالَ الحَسَنُ: كانَ يُوَسْوِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ بِالقُوَّةِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: بَلْ كانَ آدَمُ وإبْلِيسُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ كانَتْ بَعْضَ جَنّاتِ الأرْضِ، والَّذِي يَقُولُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ، ودَخَلَتِ الحَيَّةُ في الجَنَّةِ فَتِلْكَ القِصَّةُ الرَّكِيكَةُ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ رُبَّما قَرُبا مِن بابِ الجَنَّةِ، وكانَ إبْلِيسُ واقِفًا مِن خارِجِ الجَنَّةِ عَلى بابِها، فَيَقْرُبُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وتَحْصُلُ الوَسْوَسَةُ هُناكَ. السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ مِنَ العَداوَةِ فَكَيْفَ قَبِلَ قَوْلَهُ والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ لَقِيَ آدَمَ مِرارًا كَثِيرَةً ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَةِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ: فَلِأجْلِ المُواظَبَةِ والمُداوَمَةِ عَلى هَذا التَّمْوِيهِ أثَّرَ كَلامُهُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. (p-٣٩)السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ . والجَوابُ: مَعْنى وسْوَسَ لَهُ أيْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ في هَذا اللّامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ (القَصَصِ: ٨) وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَقْصِدْ بِالوَسْوَسَةِ ظُهُورَ عَوْرَتِهِما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُما إنْ أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْراتُهُما، وإنَّما كانَ قَصْدُهُ أنْ يَحْمِلَهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَقَطْ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لامُ الغَرَضِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ العَوْرَةِ كِنايَةً عَنْ سُقُوطِ الحُرْمَةِ وزَوالِ الجاهِ، والمَعْنى: أنَّ غَرَضَهُ مِن إلْقاءِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ زَوالُ حُرْمَتِهِ وذَهابُ مَنصِبِهِ. والثّانِي: لَعَلَّهُ رَأى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ سَمِعَ مِن بَعْضِ المَلائِكَةِ، أنَّهُ إذا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضَّرَرِ وسُقُوطِ الحُرْمَةِ، فَكانَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ لِحُصُولِ هَذا الغَرَضِ. * * * وقَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ فِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: ما وُورِيَ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواراةِ يُقالُ: وارَيْتُهُ أيْ سَتَرْتُهُ. قالَ تَعالى: ﴿يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ . «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ لَمّا أخْبَرَهُ بِوَفاةِ أبِيهِ: اذْهَبْ فَوارِهِ» . البَحْثُ الثّانِي: السَّوْءَةُ فَرْجُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ الإنْسانَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كَأنَّهُما قَدْ أُلْبِسا ثَوْبًا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُما، فَلَمّا عَصَيا زالَ عَنْهُما ذَلِكَ الثَّوْبُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِنَ المُنْكَراتِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (الأعْرافِ: ٢٠) يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ ذَكَرَهُ إبْلِيسُ بِحَيْثُ خاطَبَ بِهِ آدَمَ وحَوّاءَ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ وسْوَسَةً أوْقَعَها في قُلُوبِهِما، والأمْرانِ مَرْوِيّانِ إلّا أنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لَهُما في الوَسْوَسَةِ: إلّا أنْ تَكُونَ مَلَكَيْنِ، وأرادَ بِهِ أنْ تَكُونا بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ إنْ أكَلْتُما مِنها أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ إنْ أكَلْتُما، فَرَغَّبَهُما بِأنْ أوْهَمَهُما أنَّ مَن أكَلَها صارَ كَذَلِكَ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما نَهاهُما عَنْها لِكَيْ لا يَكُونا بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ ولا يَخْلُدا، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ أطْمَعَ إبْلِيسُ آدَمَ في أنْ يَكُونَ مَلَكًا عِنْدَ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ مَعَ أنَّهُ شاهَدَ المَلائِكَةَ مُتَواضِعِينَ ساجِدِينَ لَهُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنَّ هَذا المَعْنى أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ سَجَدُوا لِآدَمَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ. أمّا مَلائِكَةُ السَّماواتِ وسُكّانُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ فَما سَجَدُوا البَتَّةَ لِآدَمَ، ولَوْ كانُوا سَجَدُوا لَهُ لَكانَ هَذا التَّطْمِيعُ فاسِدًا مُخْتَلًّا. وثانِيها: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَمُوتُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ إبْلِيسُ أنْ يَصِيرَ مِثْلَ المَلَكِ في البَقاءِ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَطْلُوبُ مِنَ المَلائِكَةِ هو الخُلُودُ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ . (p-٤٠)والوَجْهُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ (مَلِكَيْنِ)، ويَقُولُ: ما طَمِعا في أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، لَكِنَّهُما اسْتَشْرَفا إلى أنْ يَكُونا مَلِكَيْنِ، وإنَّما أتاهُما المَلْعُونُ مِن جِهَةِ المُلْكِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (طه: ١٢٠) وأقُولُ: هَذا الجَوابُ أيْضًا ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هَبْ أنَّهُ حَصَلَ الجَوابُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: فَهَلْ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ تِلْكَ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ باطِلَةٌ. أوْ لا يَقُولُ ذَلِكَ ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ القِراءَةَ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها. وأمّا الثّانِي: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الإشْكالُ باقٍ؛ لِأنَّ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ يَكُونُ بِالتَّطْمِيعِ قَدْ وقَعَ في أنْ يَصِيرَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الأكْلِ مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ سُجُودَ المَلائِكَةِ والخَلْقِ لَهُ في أنْ يَسْكُنَ الجَنَّةَ، وأنْ يَأْكُلَ مِنها رَغَدًا كَيْفَ شاءَ وأرادَ، ولا مَزِيدَ في المُلْكِ عَلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَلائِكَةِ أكْمَلُ وأفْضَلُ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ ولِأنَّ آدَمَ حِينَ طَلَبَ الوُصُولَ إلى دَرَجَةِ المَلائِكَةِ ما كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ زالَ الِاسْتِدْلالُ. والثّانِي: إنَّ بِتَقْدِيرِ ”أنْ“ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ وقَعَتْ في زَمانِ النُّبُوَّةِ، فَلَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغِبَ في أنْ يَصِيرَ مِنَ المَلائِكَةِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ والشِّدَّةِ أوْ في خِلْقَةِ الذّاتِ بِأنْ يَصِيرَ جَوْهَرًا نُورانِيًّا، وفي أنْ يَصِيرَ مِن سُكّانِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: نُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ قالَ لِلْحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ وفي قَوْلِهِ: وقاسَمَهُما قالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: فَهَلْ صَدَّقاهُ في ذَلِكَ ؟ فَقالَ الحَسَنُ: مَعاذَ اللَّهِ لَوْ صَدَّقاهُ لَكانا مِنَ الكافِرِينَ، ووَجْهُ السُّؤالِ أنَّهُ كَيْفَ يَلْزَمُ هَذا التَّكْفِيرُ بِتَقْدِيرِ أنْ يُصَدِّقا إبْلِيسَ في ذَلِكَ القَوْلِ. والجَوابُ: ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّكْفِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَدَّقَ إبْلِيسَ في الخُلُودِ لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ إنْكارَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وإنَّهُ كُفْرٌ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّصْدِيقِ حُصُولُ الكُفْرِ ؟ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: إنَّ لَفْظَ الخُلُودِ مَحْمُولٌ عَلى طُولِ المُكْثِ لا عَلى الدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْدَفِعُ ما ذَكَرُوهُ. الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الخُلُودَ مُفَسَّرٌ بِالدَّوامِ، إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اعْتِقادَ الدَّوامِ يُوجِبُ الكُفْرَ وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ تَعالى هَلْ يُمِيتُ هَذا المُكَلَّفَ أوْ لا يُمِيتُهُ عِلْمٌ لا يَحْصُلُ إلّا مِن دَلِيلِ السَّمْعِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما بَيَّنَ في وقْتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُمِيتُ الخَلْقَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُجَوِّزُ دَوامَ البَقاءِ، فَلِهَذا السَّبَبِ رَغِبَ فِيهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالتَّكْفِيرُ غَيْرُ لازِمٍ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ثَبَتَ بِما سَبَقَ أنْ آدَمَ وحَوّاءَ لَوْ صَدَّقا إبْلِيسَ فِيما قالَ لَمْ يَلْزَمْ تَكْفِيرُهُما، فَهَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُما صَدَّقاهُ فِيهِ قَطْعًا ؟ وإنْ لَمْ يَحْصُلِ القَطْعُ فَهَلْ يَقُولُونَ إنَّهُما ظَنّا أنَّ الأمْرَ كَما قالَ ؟ أوْ يُنْكِرُونَ هَذا الظَّنَّ أيْضًا ؟ (p-٤١)والجَوابُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ أنْكَرُوا حُصُولَ هَذا التَّصْدِيقِ قَطْعًا وظَنًّا، بَلِ الصَّوابُ أنَّهُما إنَّما أقْدَما عَلى الأكْلِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، لا أنَّهُما صَدَّقاهُ عِلْمًا أوْ ظَنًّا كَما نَجِدُ أنْفُسَنا عِنْدَ الشَّهْوَةِ نُقْدِمُ عَلى الفِعْلِ إذا زَيَّنَ لَنا الغَيْرُ ما نَشْتَهِيهِ، وإنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أنَّ الأمْرَ كَما قالَ. السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ هَذا التَّرْغِيبُ والتَّطْمِيعُ وقَعَ في مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أوْ في أحَدِهِما. والجَوابُ: قالَ بَعْضُهم: التَّرْغِيبُ كانَ في مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في التَّرْغِيبِ. وقِيلَ: بَلْ هو عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيرِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب