الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المَخْلُوقِينَ لِجَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أمَرَ بَعْدَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ هو الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والمُخَلِّصُ عَنْ عَذابِ جَهَنَّمَ هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، وأصْحابُ الذَّوْقِ والمُشاهَدَةِ يَجِدُونَ مِن أرْواحِهِمْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وقَعَ في بابِ الحِرْصِ وزَمْهَرِيرِ الحِرْمانِ، ولا يَزالُ يَنْتَقِلُ مِن رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ، ومِن طَلَبٍ إلى طَلَبٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ، فَإذا انْفَتَحَ عَلى قَلْبِهِ بابُ ذِكْرِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَخَلَّصَ عَنْ نِيرانِ الآفاتِ وعَنْ حَسَراتِ الخَساراتِ، واسْتَشْعَرَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَذْكُورٌ في سُوَرٍ أرْبَعَةٍ:
أوَّلُها: هَذِهِ السُّورَةُ.
وثانِيها: في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] .
وثالِثُها: في أوَّلِ طه، وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] .
ورابِعُها: في آخِرِ الحَشْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: (الأسْماءُ) ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى المَعانِي فَهي إنَّما تَحْسُنُ بِحُسْنِ مَعانِيها ومَفْهُوماتِها، ولا مَعْنى لِلْحُسْنِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا ذِكْرُ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، وهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: عَدَمُ (p-٥٥)افْتِقارِهِ إلى غَيْرِهِ، وثُبُوتُ افْتِقارِ غَيْرِهِ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ لَنا في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ كِتابًا كَثِيرَ الدَّقائِقِ شَرِيفَ الحَقائِقِ سَمَّيْناهُ بِلَوامِعِ البَيِّناتِ في تَفْسِيرِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، مَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فِيهِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ هَهُنا لُمَعًا ونُكَتًا مِنها. فَنَقُولُ: إنَّ أسْماءَ اللَّهِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: الِاسْمُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلذّاتِ، أوْ لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الذّاتِ، أوْ لِصِفَةٍ خارِجَةٍ عَنِ الذّاتِ قائِمَةٍ بِها. أمّا اسْمُ الذّاتِ فَهو المُسَمّى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وفي كَشْفِ الغِطاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ المُباحَثاتِ أسْرارٌ. وأمّا اسْمُ جُزْءِ الذّاتِ فَهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ هَذا إنَّما يُفْعَلُ في الذّاتِ المُرَكَّبَةِ مِنَ الأجْزاءِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ.
وأمّا اسْمُ الصِّفَةِ فَنَقُولُ: الصِّفَةُ إمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً أوْ إضافِيَّةً أوْ سَلْبِيَّةً، أوْ ما يَتَرَكَّبُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وهي أرْبَعَةٌ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ إضافَةٍ أوْ مَعَ سَلْبٍ أوْ صِفَةً سَلْبِيَّةً مَعَ إضافَةٍ أوْ مَجْمُوعَ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وإضافَةٍ وسَلْبِيَّةٍ. أمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ العارِيَةُ عَنِ الإضافَةِ فَكَقَوْلِنا مَوْجُودٌ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الوُجُودُ صِفَةٌ، أوْ قَوْلُنا واحِدٌ، عِنْدَ مَن يَقُولُ: الوَحْدَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وكَقَوْلِنا حَيٌّ، فَإنَّ الحَياةَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ عارِيَةٌ عَنِ النَّسَبِ والإضافاتِ، وأمّا الصِّفَةُ الإضافِيَّةُ المَحْضَةُ، فَكَقَوْلِنا: مَذْكُورٌ ومَعْلُومٌ، وأمّا الصِّفَةُ السَّلْبِيَّةُ، فَكَقَوْلِنا: القُدُّوسُ السَّلامُ. وأمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَعَ الإضافَةِ، فَكَقَوْلِنا: عالِمٌ وقادِرٌ، فَإنَّ العِلْمَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ولَهُ تَعَلُّقٌ بِالمَعْلُومِ والقادِرِ، فَإنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ولَها تَعَلُّقٌ بِالمَقْدُورِ، وأمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَعَ السَّلْبِيَّةِ. فَكَقَوْلِنا: قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ لا أوَّلَ لَهُ. وأمّا الصِّفَةُ الإضافِيَّةُ مَعَ السَّلْبِيَّةِ، فَكَقَوْلِنا: أوَّلُ. فَإنَّهُ هو الَّذِي سَبَقَ غَيْرَهُ وما سَبَقَهُ غَيْرُهُ، وأمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَعَ الإضافَةِ والسَّلْبِ، فَكَقَوْلِنا: حَكِيمٌ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَعْلَمُ حَقائِقَ الأشْياءِ، ولا يَفْعَلُ ما لا يَجُوزُ فِعْلُهُ، فَصِفَةُ العِلْمِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وكَوْنُ هَذِهِ الصِّفَةِ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْلُوماتِ، نَسَبٌ وإضافاتٌ، وكَوْنُهُ غَيْرَ فاعِلٍ لِما لا يَنْبَغِي سَلْبٌ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: السُّلُوبُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والإضافاتُ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكَوْنُهُ خالِقًا لِلْمَخْلُوقاتِ صِفَةٌ إضافِيَّةٌ، وكَوْنُهُ مُحْيِيًا ومُمِيتًا إضافاتٌ مَخْصُوصَةٌ، وكَوْنُهُ رازِقًا أيْضًا إضافَةٌ أُخْرى مَخْصُوصَةٌ. فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الِاعْتِباراتِ أسْماءٌ لا نِهايَةَ لَها لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ، وإنَّما السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ أفْعالِهِ فَكُلُّ مَن كانَ وُقُوفُهُ عَلى أسْرارِ حِكْمَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ أكْثَرَ، كانَ عِلْمُهُ بِأسْماءِ اللَّهِ أكْثَرَ، ولَمّا كانَ هَذا بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ، فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِمَعْرِفَةِ أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى.
النَّوْعُ الثّانِي في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ: ما قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ: وهو أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: ما يَجِبُ، ويَجُوزُ، ويَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ تَعالى. ولِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ أسْماءٌ مَخْصُوصَةٌ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ: أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً، أوْ مَعْنَوِيَّةً، أوْ كانَتْ مِن صِفاتِ الأفْعالِ.
(p-٥٦)والنَّوْعُ الرّابِعُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: إمّا أنْ يَجُوزَ إطْلاقُها عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا يَجُوزُ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِنا: الكَرِيمُ الرَّحِيمُ العَزِيزُ اللَّطِيفُ الكَبِيرُ الخالِقُ، فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ يَجُوزُ إطْلاقُها عَلى العِبادِ، وإنْ كانَ مَعْناها في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِمَعْناها في حَقِّ العِبادِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَهو كَقَوْلِنا: اللَّهُ الرَّحْمَنُ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإنَّها إذا قُيِّدَتْ بِقُيُودٍ مَخْصُوصَةٍ صارَتْ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إطْلاقُها إلّا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِنا: يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، ويا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، ويا خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِينَ.
النَّوْعُ الخامِسُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ أنْ يُقالَ: مِن أسْماءِ اللَّهِ ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ وحْدَهُ، كَقَوْلِنا: يا اللَّهُ، يا رَحْمَنُ، يا حَيُّ، يا حَكِيمُ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، كَقَوْلِنا: مُمِيتٌ وضارٌّ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: يا مُحْيِي يا مُمِيتُ يا ضارُّ يا نافِعُ.
النَّوْعُ السّادِسُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ: أوَّلُ ما يُعْلَمُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ مُحْدِثًا لِلْأشْياءِ مُرَجِّحًا لِوُجُودِها عَلى عَدَمِها، وذَلِكَ لِأنّا إنَّما نَعْلَمُ وُجُودَهُ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُودِ المُمْكِناتِ عَلَيْهِ، فَإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ مُمْكِنُ الوُجُودِ والعَدَمِ لِذاتِهِ، قَضى العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ وجُودَهُ عَلى عَدَمِهِ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ ما يُعْلَمُ مِنهُ تَعالى هو كَوْنُهُ مُرَجِّحًا ومُؤَثِّرًا، ثُمَّ نَقُولُ ذَلِكَ المُرَجِّحُ إمّا أنْ يُرَجِّحَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَدامَ العالِمُ بِدَوامِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَبَقِيَ أنَّهُ إنَّما رُجِّحَ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، وكَوْنُهُ مُرَجِّحًا عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، لَيْسَ إلّا كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا، فَثَبَتَ أنَّ المَعْلُومَ مِنهُ بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُرَجِّحًا، هو كَوْنُهُ قادِرًا. ثُمَّ إنّا بَعْدَ هَذا نَسْتَدِلُّ بِكَوْنِ أفْعالِهِ مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً عَلى كَوْنِهِ عالِمًا، ثُمَّ إنّا إذا عَلِمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عالِمًا، وعَلِمْنا أنَّ العالِمَ القادِرَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ إلّا حَيًّا، عَلِمْنا مِن كَوْنِهِ قادِرًا عالِمًا، كَوْنَهُ حَيًّا. فَظَهَرَ بِهَذا أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِصِفاتِهِ تَعالى وبِأسْمائِهِ واقِعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، بَلِ العِلْمُ بِها عُلُومٌ مُتَرَتَّبَةٌ يُسْتَفادُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّ الأسْماءَ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ تَعالى، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ قَدْ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ، فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ، فَهو مُحْتاجٌ في ماهِيَّتِهِ وفي وُجُودِهِ، وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ والإضافِيَّةِ والسَّلْبِيَّةِ إلى تَكْوِينِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ولَوْلاهُ لَبَقِيَ عَلى العَدَمِ المَحْضِ والسَّلْبِ الصِّرْفِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، وكَمالُ كُلِّ ما سِواهُ فَهو حاصِلٌ بِجُودِهِ وإحْسانِهِ، فَكُلُّ كَمالٍ وجَلالٍ وشَرَفٍ، فَهو لَهُ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ ولِذاتِهِ وفي ذاتِهِ، ولِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ العارِيَةِ، والَّذِي لِغَيْرِهِ مِن ذاتِهِ، فَهو الفَقْرُ والحاجَةُ والنُّقْصانُ والعَدَمُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ البَيِّنِ أنَّ الأسْماءَ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، والصِّفاتِ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَهو غَرَقٌ في بَحْرِ الفَناءِ والنُّقْصانِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، والصِّفاتِ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، فَيَجِبُ كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالحُسْنِ والكَمالِ فَهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ اسْمٍ لا يُفِيدُ في المُسَمّى صِفَةَ كَمالٍ وجَلالٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعِنْدَ هَذا نُقِلَ عَنْ جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ أنَّهُ قالَ: لا أُطْلِقُ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى (p-٥٧)اسْمَ الشَّيْءِ. قالَ: لِأنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى أخَسِّ الأشْياءِ وأكْثَرِها حَقارَةً وأبْعَدِها عَنْ دَرَجاتِ الشَّرَفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ لا يُفِيدُ في المُسَمّى شَرَفًا ورُتْبَةً وجَلالَةً.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى الشَّرَفِ والكَمالِ، وثَبَتَ أنَّ اسْمَ الشَّيْءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فامْتَنَعَ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ شَيْئًا. قالَ ومَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هَذا نِزاعًا في كَوْنِهِ في نَفْسِهِ حَقِيقَةً وذاتًا ومَوْجُودًا، إنَّما النِّزاعُ وقَعَ في مَحْضِ اللَّفْظِ، وهو أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ بِهَذا اللَّفْظِ أمْ لا ؟ فَأمّا قَوْلُنا إنَّهُ مُنْشِئُ الأشْياءِ، فَهو اسْمٌ يُفِيدُ المَدْحَ والجَلالَ والشَّرَفَ، فَكانَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى اللَّهِ حَقًّا، ثُمَّ أكَّدَ هَذِهِ الحُجَّةَ بِأنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الدَّلائِلِ:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ولا شَكَّ أنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ مِثْلٌ لِمِثْلِ نَفْسِهِ. فَلَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ، ودَلَّ الدَّلِيلُ القُرْآنِيُّ عَلى أنَّ مِثْلَ مِثْلِ اللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، كانَ هَذا تَصْرِيحًا بِأنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ (الكافُ) في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ [الشُّورى: ١١] حَرْفٌ زائِدٌ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّ حَمْلَ كَلامِ اللَّهِ عَلى اللَّغْوِ والعَبَثِ وعَدَمِ الفائِدَةِ بَعِيدٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ولَوْ كانَ تَعالى داخِلًا تَحْتَ اسْمِ الشَّيْءِ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ. لا يُقالُ هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، لِأنّا نَقُولُ هَذا كَلامٌ لا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْهُ، فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِحَسَبِ العُرْفِ المَشْهُورِ أنَّهم يُقِيمُونَ الأكْثَرَ مُقامَ الكُلِّ، ويُقِيمُونَ الشّاذَّ النّادِرَ مُقامَ العَدَمِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا حَصَلَ الأكْثَرُ الأغْلَبُ وكانَ الغالِبُ الشّاذُّ الخارِجُ نادِرًا، ألْحَقُوا ذَلِكَ الأكْثَرَ بِالكُلِّ، وألْحَقُوا ذَلِكَ النّادِرَ بِالمَعْدُومِ، وأطْلَقُوا لَفْظَ الكُلِّ عَلَيْهِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ الشّاذَّ النّادِرَ مِن بابِ تَخْصِيصِ العُمُومِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصْدُقَ عَلى اللَّهِ تَعالى اسْمُ الشَّيْءِ كانَ أعْظَمُ الأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى، وإدْخالُ التَّخْصِيصِ في مِثْلِ هَذا المُسَمّى يَكُونُ مِن بابِ الكَذِبِ، فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ حَتّى لا يَلْزَمَنا هَذا المَحْذُورُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: هَذا الِاسْمُ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وما رَأيْنا أحَدًا مِنَ السَّلَفِ قالَ في دُعائِهِ يا شَيْءُ، فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي يُتَوَهَّمُ اشْتِمالُها عَلى هَذا الِاسْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، فَسَقَطَ الكَلامُ فِيهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَقَوْلُنا: مَوْجُودٌ ومَذْكُورٌ وذاتٌ ومَعْلُومٌ، ألْفاظٌ لا تَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والجَلالِ، فَوَجَبَ أنْ تَقُولُوا إنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُها عَلى اللَّهِ تَعالى. فَنَقُولُ: الحَقُّ في هَذا البابِ التَّفْصِيلُ، وهو أنّا نَقُولُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِكَ: إنَّهُ تَعالى شَيْءٌ، وذاتٌ، وحَقِيقَةٌ ؟ إنْ عَنَيْتَ أنَّهُ تَعالى في نَفْسِهِ ذاتٌ وحَقِيقَةٌ وثابِتٌ ومَوْجُودٌ وشَيْءٌ، فَهو كَذَلِكَ مِن غَيْرِ شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ، وإنْ عَنَيْتَ بِهِ أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنادى بِهَذِهِ الألْفاظِ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ لا يَجُوزُ؛ لِأنّا رَأيْنا السَّلَفَ يَقُولُونَ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ إلى سائِرِ الأسْماءِ الشَّرِيفَةِ، وما رَأيْنا ولا سَمِعْنا أنَّ أحَدًا يَقُولُ: يا ذاتُ يا حَقِيقَةُ يا مَفْهُومُ ويا مَعْلُومُ، فَكانَ الِامْتِناعُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الألْفاظِ في مَعْرِضِ النِّداءِ (p-٥٨)والدُّعاءِ واجِبًا لِلَّهِ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَصَلَتْ لَهُ أسْماءٌ حَسَنَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ لا اصْطِلاحِيَّةٌ. ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا جَوادُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا سَخِيُّ، ولا أنْ يُقالَ يا عاقِلُ يا طَبِيبُ يا فَقِيهُ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا اصْطِلاحِيَّةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لِأنَّ لَفْظَ الأسْماءِ الجَمْعُ، وهي تُفِيدُ الثَّلاثَةَ فَما فَوْقَها، فَثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الأسْماءِ إلى اللَّهِ، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مُحالٌ. وأيْضًا فَلَوْ قِيلَ: ولِلَّهِ الذَّواتُ لَكانَ باطِلًا. ولَمّا قالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ﴾ كانَ حَقًّا وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو رَبَّهُ إلّا بِتِلْكَ الأسْماءِ الحُسْنى، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ لا تَتَأتّى إلّا إذا عَرَفَ مَعانِيَ تِلْكَ الأسْماءِ، وعَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّ لَهُ إلَهًا ورَبًّا خالِقًا مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ، فَإذا عَرَفَ بِالدَّلِيلِ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّ لِتِلْكَ الدَّعْوَةِ شَرائِطَ كَثِيرَةً مَذْكُورَةً بِالِاسْتِقْصاءِ في كِتابِ (المِنهاجِ) لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ، وأحْسَنُ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: عِزَّةُ الرُّبُوبِيَّةِ.
والثّانِيَةُ: ذِلَّةُ العُبُودِيَّةِ.
فَهُناكَ يَحْسُنُ الدُّعاءُ ويَعْظُمُ مَوْقِعُ ذَلِكَ الذِّكْرِ. فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ قَلِيلَ الفائِدَةِ، وأنا أذْكُرُ لِهَذا المَعْنى مِثالًا، وهو أنَّ مَن أرادَ أنْ يَقُولَ في تَحْرِيمَةِ صَلاتِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ في النِّيَّةِ جَمِيعَ ما أمْكَنَهُ مِن مَعْرِفَةِ آثارِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ نَفْسِهِ وبَدَنِهِ وقُواهُ العَقْلِيَّةِ والحِسِّيَّةِ أوِ الحَرَكِيَّةِ، ثُمَّ يَتَعَدّى مِن نَفْسِهِ إلى اسْتِحْضارِ آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ في تَخْلِيقِ جَمِيعِ النّاسِ، وجَمِيعِ الحَيَواناتِ، وجَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ والمَعادِنِ، والآثارِ العُلْوِيَّةِ مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ الَّتِي تُوجَدُ في كُلِّ أطْرافِ العالَمِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ الأرْضِينَ والجِبالِ والبِحارِ والمَفاوِزِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ طَبَقاتِ العَناصِرِ السُّفْلِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ أطْباقِ السَّماواتِ عَلى سَعَتِها وعِظَمِها، وفي تَخْلِيقِ أجْرامِ النَّيِّراتِ مِنَ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ الكُرْسِيِّ وسِدْرَةِ المُنْتَهى، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَتِهِ في تَخْلِيقِ العَرْشِ العَظِيمِ المُحِيطِ بِكُلِّ هَذِهِ المَوْجُوداتِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَتِهِ في تَخْلِيقِ المَلائِكَةِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وجُنُودِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَلا يَزالُ يَسْتَحْضِرُ مِن هَذِهِ الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ أقْصى ما يَصِلُ إلَيْهِ فَهْمُهُ وعَقْلُهُ وذِكْرُهُ وخاطِرُهُ وخَيالُهُ، ثُمَّ عِنْدَ اسْتِحْضارِ جَمِيعِ هَذِهِ الرُّوحانِيّاتِ والجُسْمانِيّاتِ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها ومَراتِبِها، يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، ويُشِيرُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ إلى المَوْجُودِ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ وأخْرَجَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ورَتَّبَها بِما لَها مِنَ الصِّفاتِ والنُّعُوتِ، وبِقَوْلِهِ: أكْبَرُ أيْ أنَّهُ لا يُشْبِهُ لِكِبْرِيائِهِ وجَبَرُوتِهِ وعِزِّهِ وعُلُوِّهِ وصَمَدِيَّتِهِ هَذِهِ الأشْياءَ بَلْ هو أكْبَرُ مِن أنْ يُقالَ: إنَّهُ أكْبَرُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ. فَإذا عَرَفْتَ هَذا المِثالَ الواحِدَ فَقِسِ الذِّكْرَ الحاصِلَ مَعَ العِرْفانِ والشُّعُورِ، وعِنْدَها يَنْفَتِحُ عَلى عَقْلِكَ نَسَمَةٌ مِنَ الأسْرارِ المُودَعَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ .
* * *
(p-٥٩)أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”يَلْحُدُونَ“ ووافَقَهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ في النَّحْلِ. قالَ الفَرّاءُ: ”يَلْحُدُونَ“، ”ويُلْحِدُونَ“ لُغَتانِ: يُقالُ: لَحَدْتُ لَحْدًا وألْحَدْتُ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى الإلْحادِ في اللُّغَةِ المَيْلُ عَنِ القَصْدِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: المُلْحِدُ العادِلُ عَنِ الحَقِّ المُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ. يُقالُ: قَدْ ألْحَدَ في الدِّينِ ولَحَدَ، وقالَ أبُو عَمْرٍو مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الإلْحادُ: العَدْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والِانْحِرافُ عَنْها. ومِنهُ اللَّحْدُ الَّذِي يُحْفَرُ في جانِبِ القَبْرِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والأجْوَدُ قِراءَةُ العامَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ والإلْحادُ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ لِقَوْلِهِمْ: مُلْحِدٌ، ولا تَكادُ تَسْمَعُ العَرَبَ يَقُولُونَ لاحِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُحَقِّقُونَ: الإلْحادُ في أسْماءِ اللَّهِ يَقَعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: إطْلاقُ أسْماءِ اللَّهِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، مِثْلَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُسَمُّونَ الأوْثانَ بِآلِهَةٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّهم سَمَّوْا أصْنامًا بِاللّاتِ والعُزّى والمَناةِ، واشْتِقاقُ اللّاتِ مِنَ الإلَهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، واشْتِقاقُ مَناةَ مِنَ المَنّانِ. وكانَ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ لَقَّبَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمَنِ.
والثّانِي: أنْ يُسَمُّوا اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِهِ، مِثْلَ تَسْمِيَةِ مَن سَمّاهُ أبًا لِلْمَسِيحِ. وقَوْلُ جُمْهُورِ النَّصارى: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ القُدُسِ، ومِثْلَ أنَّ الكَرّامِيَّةَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الجِسْمِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ويُسَمُّونَهُ بِهِ، ومِثْلَ أنَّ المُعْتَزِلَةَ قَدْ يَقُولُونَ في أثْناءِ كَلامِهِمْ: لَوْ فَعَلَ تَعالى كَذا وكَذا لَكانَ سَفِيهًا مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ، وهَذِهِ الألْفاظُ مُشْعِرَةٌ بِسُوءِ الأدَبِ. قالَ أصْحابُنا: ولَيْسَ كُلُّ ما صَحَّ مَعْناهُ جازَ إطْلاقُهُ بِاللَّفْظِ في حَقِّ اللَّهِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا خالِقَ الدِّيدانِ والقُرُودِ والقِرْدانِ، بَلِ الواجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأذْكارِ، وأنْ يُقالَ: يا خالِقَ الأرْضِ والسَّماواتِ يا مُقِيلَ العَثَراتِ يا راحِمَ العَبَراتِ إلى غَيْرِها مِنَ الأذْكارِ الجَمِيلَةِ الشَّرِيفَةِ.
والثّالِثُ: أنْ يَذْكُرَ العَبْدُ رَبَّهُ بِلَفْظٍ لا يَعْرِفُ مَعْناهُ ولا يَتَصَوَّرُ مُسَمّاهُ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ مُسَمّاهُ أمْرًا غَيْرَ لائِقٍ بِجَلالِ اللَّهِ، فَهَذِهِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ هي الإلْحادُ في الأسْماءِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلْ يَلْزَمُ مِن وُرُودِ الأوَّلِ في إطْلاقِ لَفْظِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ سائِرُ الألْفاظِ المُشْتَقَّةِ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ ؟
قُلْنا: الحَقُّ عِنْدِي أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا في حَقِّ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ لَفْظَ ”عَلَّمَ“ ورَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في آياتٍ مِنها قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]،﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]،﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]،﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١، ٢]، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يا مُعَلِّمُ، وأيْضًا ورَدَ قَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ثُمَّ لا يَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُقالَ يا مُحِبُّ. وأمّا في حَقِّ الأنْبِياءِ، فَقَدْ ورَدَ في حَقِّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ آدَمَ كانَ عاصِيًا غاوِيًا، ووَرَدَ في حَقِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -﴿ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أجِيرًا، والضّابِطُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ المُوهِمَةَ يَجِبُ الِاقْتِصارُ فِيها عَلى الوارِدِ، فَأمّا التَّوَسُّعُ بِإطْلاقِ الألْفاظِ المُشْتَقَّةِ مِنها فَهي عِنْدِي مَمْنُوعَةٌ غَيْرُ جائِزَةٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن ألْحَدَ في أسْماءِ اللَّهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى إثْباتِ العَمَلِ لِلْعَبْدِ، وعَلى أنَّ الجَزاءَ مُفَرَّعٌ عَلى عَمَلِهِ وفِعْلِهِ.
{"ayah":"وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِینَ یُلۡحِدُونَ فِیۤ أَسۡمَـٰۤىِٕهِۦۚ سَیُجۡزَوۡنَ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











