الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يا‎لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب