الباحث القرآني
﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَسْمُ أثَرُ الكَيَّةِ وما يُشْبِهُها، يُقالُ: وسَمْتُهُ فَهو مَوْسُومٌ بِسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها إمّا كَيَّةٌ، وإمّا قَطْعٌ في أُذُنٍ عَلامَةً لَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هَهُنا الأنْفُ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا اللَّفْظَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ أعْضاءِ النّاسِ بِالأسْماءِ المَوْضُوعَةِ لِأشْباهِ تِلْكَ الأعْضاءِ مِنَ الحَيَواناتِ يَكُونُ اسْتِخْفافًا، كَما يُعَبَّرُ عَنْ شِفاهِ النّاسِ بِالمَشافِرِ، وعَنْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِالأظْلافِ والحَوافِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ لِارْتِفاعِهِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ وحَمى أنْفَهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ، وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ، فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ، لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ، فَكَيْفَ عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنهم مَن قالَ: هَذا الوَسْمُ يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ومِنهم مَن قالَ: يَحْصُلُ في الدُّنْيا.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ وأبِي العالِيَةِ واخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ يُسَوَّدُ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّ المُرادَ هو الوَجْهُ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ أهْلُ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ غالِيًا في عَداوَةِ الرَّسُولِ، وفي إنْكارِ الدِّينِ الحَقِّ.
وثالِثُها: أنَّ في الآيَةِ احْتِمالًا آخَرَ عِنْدِي، وهو أنَّ ذَلِكَ الكافِرَ إنَّما بالَغَ في عَداوَةِ الرَّسُولِ وفي الطَّعْنِ في الدِّينِ الحَقِّ بِسَبَبِ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ، فَلَمّا كانَ مَنشَأُ هَذا الإنْكارِ هو الأنَفَةُ والحَمِيَّةُ كانَ مَنشَأُ عَذابِ الآخِرَةِ هو هَذِهِ الأنَفَةُ والحَمِيَّةُ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا الِاخْتِصاصِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ .
وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ هَذا الوَسْمَ إنَّما يَحْصُلُ في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: (p-٧٧)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً باقِيَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ. ورُوِيَ أنَّهُ قاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ في القِتالِ.
وثانِيها: أنَّ مَعْنى هَذا الوَسْمِ أنَّهُ يَصِيرُ مَشْهُورًا بِالذِّكْرِ الرَّدِيءِ والوَصْفِ القَبِيحِ في العالَمِ، والمَعْنى سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ ونُبِينُ أمْرَهُ بَيانًا واضِحًا حَتّى لا يَخْفى كَما لا تَخْفى السِّمَةُ عَلى الخَراطِيمِ، تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ الَّذِي تَسُبُّهُ في مَسَبَّةٍ قَبِيحَةٍ باقِيَةٍ فاحِشَةٍ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمَ سُوءٍ، والمُرادُ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كَما أنَّ السِّمَةَ لا تَنْمَحِي ولا تَزُولُ ألْبَتَّةَ، قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
يُرِيدُ أنَّهُ وسَمَ الفَرَزْدَقَ (والبَعِيثَ) وجَدَعَ أنْفَ الأخْطَلِ بِالهِجاءِ أيْ ألْقى عَلَيْهِ عارًا لا يَزُولُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ المُبالَغَةَ العَظِيمَةَ في مَذَمَّةِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ فَكانَ ذَلِكَ كالمِيسَمِ عَلى الخُرْطُومِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُ مَن قالَ في (زَنِيمٍ) إنَّهُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها.
وثالِثُها: يُرْوى عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أنَّ الخُرْطُومَ هو الخَمْرُ وأنْشَدَ:
؎تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ
فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ: سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وهو تَعَسُّفٌ، وقِيلَ لِلْخَمْرِ: الخُرْطُومُ كَما يُقالُ لَها: السُّلافَةُ، وهي ما سَلَفَ مِن عَصِيرِ العِنَبِ، أوْ لِأنَّها تَطِيرُ في الخَياشِيمِ.
{"ayah":"سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











