الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالِانْتِهاءِ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ يُؤَدِّبَ المُسْلِمُ نَفْسَهُ وأهْلَهُ، فَيَأْمُرَهم بِالخَيْرِ ويَنْهاهم عَنِ الشَّرِّ، وقالَ في ”الكَشّافِ“: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ﴿وأهْلِيكُمْ﴾ بِأنْ تُؤاخِذُوهم بِما تُؤاخِذُونَ بِهِ أنْفُسَكم، وقِيلَ: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ أنْفُسُكم؛ إذِ الأنْفُسُ تَأْمُرُهم بِالشَّرِّ وقُرِئَ: (وأهْلُوكم) عَطْفًا عَلى واوِ (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفاصِلِ، و﴿نارًا﴾ نَوْعًا مِنَ النّارِ لا يَتَّقِدُ إلّا بِالنّاسِ والحِجارَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ؛ لِأنَّها أشَدُّ الأشْياءِ حَرًّا إذا أُوقِدَ عَلَيْها، وقُرِئَ: (وُقُودُها) بِالضَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ يَعْنِي الزَّبانِيَةَ التِّسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانَهم ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ في أجْرامِهِمْ غِلْظَةٌ وشِدَّةٌ أيْ جَفاءٌ وقُوَّةٌ، أوْ في أفْعالِهِمْ جَفاءٌ وخُشُونَةٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ في خَلْقِهِمْ، أوْ في أفْعالِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أشِدّاءَ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، رُحَماءَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى اشْتِدادِهِمْ لِمَكانِ الأمْرِ، لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى والِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ في الآخِرَةِ بِما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وبِما يَنْهاهم عَنْهُ والعِصْيانُ مِنهم مُخالَفَةٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ لَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ العَذابِ بِالنّارِ، واشْتِدادَ المَلائِكَةِ في (p-٤٢)انْتِقامِ الأعْداءِ، فَقالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم: لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ؛ إذِ الِاعْتِذارُ هو التَّوْبَةُ، والتَّوْبَةُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ في النّارِ، فَلا يَنْفَعُكُمُ الِاعْتِذارُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي إنَّما أعْمالُكُمُ السَّيِّئَةُ ألْزَمَتْكُمُ العَذابَ في الحِكْمَةِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ وقالَ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤) جَعَلَها مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، فَما مَعْنى مُخاطَبَتِهِ بِهِ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: الفُسّاقُ وإنْ كانَتْ دَرَكاتُهم فَوْقَ دَرَكاتِ الكُفّارِ، فَإنَّهم مَعَ الكُفّارِ في دارٍ واحِدَةٍ فَقِيلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِاجْتِنابِ الفِسْقِ ومُجاوَرَةِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهم هَذِهِ النّارُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَهم بِالتَّوَقِّي مِنَ الِارْتِدادِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَيْفَ تَكُونُ المَلائِكَةُ غِلاظًا شِدادًا وهم مِنَ الأرْواحِ، فَنَقُولُ: الغِلْظَةُ والشِّدَّةُ بِحَسَبِ الصِّفاتِ لَمّا كانُوا مِنَ الأرْواحِ لا بِحَسَبِ الذّاتِ، وهَذا أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ مِنَ الأقْوالِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ في الذِّكْرِ فَنَقُولُ: لَيْسَ هَذا في مَعْنى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِي أنَّهم (يُؤَدُّونَ) ما يُؤْمَرُونَ بِهِ كَذا ذَكَرَهُ في ”الكَشّافِ“ .
{"ayahs_start":6,"ayahs":["یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَیۡهَا مَلَـٰۤىِٕكَةٌ غِلَاظࣱ شِدَادࣱ لَّا یَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَاۤ أَمَرَهُمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ","یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَا تَعۡتَذِرُوا۟ ٱلۡیَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"],"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَیۡهَا مَلَـٰۤىِٕكَةٌ غِلَاظࣱ شِدَادࣱ لَّا یَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَاۤ أَمَرَهُمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق