الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَنِيعِ مَقالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ كَذا وكَذا و(يَنْفَضُّوا) أيْ يَتَفَرَّقُوا، وقُرِئَ: ”يَنْفَضُّوا“ مِن أنْفَضَ القَوْمُ إذا فَنِيَتْ أزْوادُهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: «اقْتَتَلَ أجِيرُ عُمَرَ مَعَ أجِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في بَعْضِ الغَزَواتِ فَأسْمَعَ أجِيرُ عُمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ المَكْرُوهَ واشْتَدَّ عَلَيْهِ لِسانُهُ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ وعِنْدَهُ رَهْطٌ مِن قَوْمِهِ فَقالَ: أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، يَعْنِي بِالأعَزِّ نَفْسَهُ وبِالأذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: لَوْ أمْسَكْتُمُ النَّفَقَةَ عَنْ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُهاجِرِينَ لَأوْشَكُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِيارِكم وبِلادِكم فَلا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ»، وقُرِئَ: ”لَيَخْرُجَنَّ“ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَيْلَةَ: ”لَنُخْرِجَنَّ“ بِالنُّونِ ونَصَبَ الأعَزَّ والأذَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَفاتِيحَ الرِّزْقِ والمَطَرِ والنَّباتِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقالَ أهْلُ المَعانِي: خَزائِنُ اللَّهِ تَعالى مَقْدُوراتُهُ لِأنَّ فِيها كُلَّ ما يَشاءُ مِمّا يُرِيدُ إخْراجَهُ، وقالَ الجُنَيْدُ: خَزائِنُ اللَّهِ تَعالى في السَّماواتِ الغُيُوبُ وفي الأرْضِ القُلُوبُ وهو عَلّامُ الغُيُوبِ ومُقَلِّبُ القُلُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْقَهُونَ أنَّ ﴿أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقَوْلُهُ يَقُولُونَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا﴾ أيْ مِن تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ إلى المَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ اللَّهُ وأيَّدَهُ مِن رَسُولِهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ وعَزَّهم بِنُصْرَتِهِ إيّاهم وإظْهارِ دِينِهِمْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ ما قالُوا مَقالَتَهم هَذِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهُمُ الأخِصّاءُ بِذَلِكَ كَما أنَّ المَذَلَّةَ والهَوانَ لِلشَّيْطانِ وذَوِيهِ مِنَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وعَنْ بَعْضِ الصّالِحاتِ وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ: ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ، والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ (p-١٧)فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ، ولَكِنَّهُ عِزَّةٌ، فَإنَّ هَذا العِزَّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ في تَحْقِيقِ هَذا المَعْنى: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ ولا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فالعِزَّةُ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها عَنْ أنْ يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلِها فالعِزَّةُ تُشْبِهُ الكِبْرَ مِن حَيْثُ الصُّورَةِ، وتَخْتَلِفُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةِ كاشْتِباهِ التَّواضُعِ بِالضِّعَةِ والتَّواضُعُ مَحْمُودٌ، والضِّعَةُ مَذْمُومَةٌ، والكِبْرِ مَذْمُومٌ، والعِزَّةُ مَحْمُودَةٌ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْمُومَةٍ وفِيها مُشاكَلَةٌ لِلْكِبْرِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ لِإثْباتِ العِزَّةِ بِالحَقِّ، والوُقُوفُ عَلى حَدِّ التَّواضُعِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الضِّعَةِ وُقُوفٌ عَلى صِراطِ العِزَّةِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ نارِ الكِبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ وفي الأُخْرى ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: لِيُعْلَمَ بِالأوَّلِ قِلَّةُ كِياسَتِهِمْ وفَهْمِهِمْ، وبِالثّانِي كَثْرَةُ حَماقَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ولا يَفْقَهُونَ مِن فَقِهَ يَفْقَهُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ، ومِن فَقُهَ يَفْقُهُ: كَعَظُمَ يَعْظُمُ، والأوَّلُ لِحُصُولِ الفِقْهِ بِالتَّكَلُّفِ والثّانِي لا بِالتَّكَلُّفِ، فالأوَّلُ عِلاجِيٌّ، والثّانِي مِزاجِيٌّ.
{"ayahs_start":7,"ayahs":["هُمُ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا۟ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ یَنفَضُّوا۟ۗ وَلِلَّهِ خَزَاۤىِٕنُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ لَا یَفۡقَهُونَ","یَقُولُونَ لَىِٕن رَّجَعۡنَاۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ لَیُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ لَا یَعۡلَمُونَ"],"ayah":"یَقُولُونَ لَىِٕن رَّجَعۡنَاۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ لَیُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ لَا یَعۡلَمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











