الباحث القرآني
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ حِكْمَتِهِ. وتَقْرِيرُهُ أنّا بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ، كَما يُقالُ: أمْرُ فُلانٍ فَوْقَ أمْرِ فُلانٍ بِمَعْنى أنَّهُ أعْلى وأنْفَذُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا القَهْرَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، والفَوْقِيَّةُ المُفِيدَةُ لِصِفَةِ القَهْرِ هي الفَوْقِيَّةُ بِالقُدْرَةِ لا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ، إذِ المَعْلُومُ أنَّ المُرْتَفِعَ في المَكانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وتَقْرِيرُ هَذا القَهْرِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ والإيجادِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْوُجُودِ بِالإفْناءِ والإفْسادِ فَإنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَنْقُلُ المُمْكِنَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى. فَلا وُجُودَ إلّا بِإيجادِهِ ولا عَدَمَ إلّا بِإعْدامِهِ في المُمْكِناتِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِكُلِّ ضِدٍّ بِضِدِّهِ فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ. وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وإذا عَرَفْتَ مَنهَجَ الكَلامِ، فاعْلَمْ أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ضِدٌّ، فالفَوْقُ ضِدُّهُ التَّحْتُ، والماضِي ضِدُّهُ المُسْتَقْبَلُ، والنُّورُ ضِدُّهُ الظُّلْمَةُ، والحَياةُ ضِدُّها المَوْتُ، والقُدْرَةُ ضِدُّها العَجْزُ. وتَأمَّلْ في سائِرِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لِتَعْرِفَ أنَّ حُصُولَ التَّضادِّ بَيْنَها يَقْضِي عَلَيْها بِالمَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ والنُّقْصانِ، وحُصُولُ هَذِهِ الصِّفاتِ في المُمْكِناتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها مُدَبِّرًا قادِرًا قاهِرًا مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ، مُقَدَّسًا عَنِ الشَّبِيهِ والشَّكْلِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّ هَذا البَدَنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، وهي مُتَنافِرَةٌ مُتَباغِضَةٌ مُتَباعِدَةٌ بِالطَّبْعِ والخاصَّةِ، فاجْتِماعُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَسْرِ قاسِرٍ، وأخْطَأ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ القاسِرَ هو النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالبَدَنِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ المِزاجِ واعْتِدالِ الأمْشاجِ، والقاهِرُ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ سابِقٌ عَلى هَذا الِاجْتِماعِ، والسّابِقُ عَلى حُصُولِ الِاجْتِماعِ مُغايِرٌ لِلْمُتَأخِّرِ عَنْ حُصُولِ الِاجْتِماعِ، فَثَبَتَ أنَّ القاهِرَ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فالجَسَدُ كَثِيفٌ سُفْلِيٌّ ظُلْمانِيٌّ فاسِدٌ عَفِنٌ، والرُّوحُ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ نُورانِيٌّ مُشْرِقٌ باقٍ طاهِرٌ نَظِيفٌ، فَبَيْنَهُما أشَدُّ المُنافَرَةِ والمُباعَدَةِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَهُما (p-١٣)عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَكْمَلًا بِصاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالآخَرِ. فالرُّوحُ تَصُونُ البَدَنَ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ والتَّفَرُّقِ، والبَدَنُ يَصِيرُ آلَةً لِلرُّوحِ في تَحْصِيلِ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ، والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذا الِاجْتِماعُ وهَذا الِانْتِفاعُ لَيْسَ إلّا بِقَهْرِ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الطَّبائِعِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فَعِنْدَ دُخُولِ الرُّوحِ في الجَسَدِ أعْطى الرُّوحَ قُدْرَةً عَلى فِعْلِ الضِّدَّيْنِ، ومُكْنَةً مِنَ الطَّرَفَيْنِ إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُجْحانُ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ تارَةً والتَّرْكِ عَلى الفِعْلِ أُخْرى إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارِضِ. فَلَمّا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ امْتَنَعَ الفِعْلُ والتَّرْكُ، فَكانَ إقْدامُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ تارَةً وعَلى التَّرْكِ أُخْرى بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ مِنَ اللَّهِ يَجْرِي مَجْرى القَهْرِ، فَكانَ قاهِرًا لِعِبادِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأبْوابَ عَلِمْتَ أنَّ المُمْكِناتِ والمُبْدِعاتِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والذَّواتِ والصِّفاتِ كُلَّها مَقْهُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ اللَّهِ مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ فالمُرادُ أنَّ مِن جُمْلَةِ قَهْرِهِ لِعِبادِهِ إرْسالَ الحَفَظَةِ عَلَيْهِمْ وهَؤُلاءِ الحَفَظَةُ هُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن حُضُورِ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ ضَبْطُ الأعْمالِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهم يَكْتُبُونَ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ والمُباحاتِ بِأسْرِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ، فَإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةٍ كَتَبَها مَن عَلى اليَمِينِ، وإذا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قالَ مَن عَلى اليَمِينِ لِمَن عَلى اليَسارِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ يُفِيدُ حَفَظَةَ الكُلِّ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اطِّلاعَ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ عَلى الأقْوالِ والأفْعالِ، أمّا عَلى صِفاتِ القُلُوبِ وهي العِلْمُ والجَهْلُ فَلَيْسَ في هَذِهِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلَيْها. أمّا في الأقْوالِ، فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وأمّا في الأعْمالِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠- ١٢] فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ والإخْلاصُ والإشْراكُ فَلَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى اطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلَيْها.
البَحْثُ الثّالِثُ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ جَعْلِ المَلائِكَةِ مُوَكَّلِينَ عَلى بَنِي آدَمَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ مُوَكَّلُونَ بِهِ يُحْصُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنِ القَبائِحِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ في الكِتابَةِ أنْ يَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحائِفُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، أمّا وزْنُ الصَّحائِفِ فَمُمْكِنٌ.
الثّالِثُ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. ويَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِكُلِّ ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ سَواءٌ عَقَلْنا الوَجْهَ فِيهِ أوْ لَمْ نَعْقِلْ، فَهَذا حاصِلُ ما قالَهُ أهَلُّ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أهْلُ الحِكْمَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في هَذا البابِ عَلى وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ المُتَأخِّرُونَ مِنهم: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَهْرِ أنَّهُ خَلَطَ الطَّبائِعَ المُتَضادَّةَ ومَزَجَ بَيْنَ العَناصِرِ المُتَنافِرَةِ، فَلَمّا حَصَلَ بَيْنَها امْتِزاجٌ اسْتَعَدَّ ذَلِكَ المُمْتَزِجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِامْتِزاجِ (p-١٤)لِقَبُولِ النَّفْسِ المُدَبِّرَةِ والقُوى الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ والنُّطْقِيَّةِ، فَقالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تِلْكَ النُّفُوسُ والقُوى، فَإنَّها هي الَّتِي تَحْفَظُ تِلْكَ الطَّبائِعَ المَقْهُورَةَ عَلى امْتِزاجاتِها.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ بَعْضِ القُدَماءِ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ والأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِجَواهِرِها مُتَبايِنَةٌ بِماهِيّاتِها، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وكَذا القَوْلُ في الذَّكاءِ والبَلادَةِ والحُرِّيَّةِ والنَّذالَةِ والشَّرَفِ والدَّناءَةِ وغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ سَماوِيٌّ هو لَها كالأبِ الشَّفِيقِ والسَّيِّدِ الرَّحِيمِ يُعِينُها عَلى مُهِمّاتِها في يَقَظاتِها ومَناماتِها تارَةً عَلى سَبِيلِ الرُّؤْيا، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فالأرْواحُ الشِّرِّيرَةُ لَها مَبادِئُ مِن عالَمِ الأفْلاكِ، وكَذا الأرْواحُ الخَيِّرَةُ، وتِلْكَ المَبادِئُ تُسَمّى في مُصْطَلَحِهِمْ بِالطِّباعِ التّامِّ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الأرْواحَ الفَلَكِيَّةَ في تِلْكَ الطَّبائِعِ والأخْلاقِ تامَّةٌ كامِلَةٌ، وهَذِهِ الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها أضْعَفُ مِنها؛ لِأنَّ المَعْلُولَ في كُلِّ بابٍ أضْعَفُ مِن عِلَّتِهِ ولِأصْحابِ الطَّلْسَماتِ والعَزائِمِ الرُّوحانِيَّةِ في هَذا البابِ كَلامٌ كَثِيرٌ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: النَّفْسُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذا الجَسَدِ. لا شَكَّ في أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ عَنِ الأجْسادِ لَمّا كانَتْ مُساوِيَةً لِهَذِهِ في الطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ فَتِلْكَ النُّفُوسُ المُفارِقَةُ تَمِيلُ إلى هَذِهِ النَّفْسِ بِسَبَبِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُشاكَلَةِ والمُوافَقَةِ، وهي أيْضًا تَتَعَلَّقُ بِوَجْهٍ ما بِهَذا البَدَنِ وتَصِيرُ مُعاوَنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ عَلى مُقْتَضَياتِ طَبِيعَتِها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ بِهِ لَيْسَ لِلْفَلاسِفَةِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْها؛ لِأنَّ كُلَّهم قَدْ أقَرُّوا بِما يَقْرُبُ مِنهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إصْرارُ الجُهّالِ مِنهم عَلى التَّكْذِيبِ باطِلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَهَذانَ النَّصّانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ تَوَفِّيَ الأرْواحِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَفاةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن مَلَكِ المَوْتِ. ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَذِهِ النُّصُوصُ الثَّلاثَةُ كالمُتَناقِضَةِ.
والجَوابُ: أنَّ التَّوَفِّيَ في الحَقِيقَةِ يَحْصُلُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو في عِلْمِ الظّاهِرِ مُفَوَّضٌ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وهو الرَّئِيسُ المُطْلَقُ في هَذا البابِ، ولَهُ أعْوانٌ وخَدَمٌ وأنْصارٌ، فَحَسُنَتْ إضافَةُ التَّوَفِّي إلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِباراتِ الثَّلاثَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ الَّذِينَ بِهِمْ تَحْصُلُ الوَفاةُ، وهم أعْيانُ أُولَئِكَ الحَفَظَةِ فَهم في مُدَّةِ الحَياةِ يَحْفَظُونَهم مِن أمْرِ اللَّهِ، وعِنْدَ مَجِيءِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، والأكْثَرُونَ أنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الحِفْظَ غَيْرُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ الوَفاةِ، ولا دَلالَةَ في لَفْظِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى الفَرْقِ، إلّا أنَّ الَّذِي مالَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ هو القَوْلُ الثّانِي، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالمَقايِيسِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مَعادِنُ الرَّحْمَةِ والخَيْرِ والرّاحَةِ مُغايِرُونَ لِلَّذِينِ هم أُصُولُ الحُزْنِ والغَمِّ، فَطائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ هُمُ المُسَمَّوْنَ بِالرُّوحانِيِّينَ لِإفادَتِهِمُ الرُّوحَ والرّاحَةَ والرَّيْحانَ، وبَعْضُهم يُسَمَّوْنَ بِالكَرُوبِيِينَ لِكَوْنِهِمْ مَبادِئَ الكَرْبِ والغَمِّ والأحْزانِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ هو (p-١٥)رَئِيسُ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ، والمُرادُ بِالحَفَظَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: أتْباعُهُ، وأشْياعُهُ عَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلَ الأرْضَ مِثْلَ الطَّسْتِ لِمَلِكِ المَوْتِ يَتَناوَلُ مَن يَتَناوَلُهُ، وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، وجاءَ في الأخْبارِ مِن صِفاتِ مَلَكِ المَوْتِ ومِن كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ عِنْدَ فَناءِ الدُّنْيا وانْقِضائِها أحْوالٌ عَجِيبَةٌ.
والبَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِالألِفِ مُمالَةً والباقُونَ بِالتّاءِ، فالأوَّلُ لِتَقْدِيمِ الفِعْلِ، ولِأنَّ الجَمْعَ قَدْ يُذَكَّرُ، والثّانِي عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ لا يُقَصِّرُونَ فِيما أُمِرُوا بِهِ. وقَوْلُهُ في صِفَةِ مَلائِكَةِ النّارِ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ مَلائِكَةَ العَذابِ لا يُقَصِّرُونَ في تِلْكَ التَّكالِيفِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ عِصْمَةَ المَلائِكَةِ في هَذِهِ الأحْوالِ أثْبَتَ عِصْمَتَهم عَلى الإطْلاقِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثُبُوتِ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قِيلَ المَرْدُودُونَ هُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ يَمُوتُ أيْضًا أُولَئِكَ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: بَلِ المَرْدُودُونَ البَشَرُ، يَعْنِي أنَّهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ يُرَدُّونَ إلى اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ؛ لِأنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ؛ لِكَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّدُّ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ مُطِيعًا لِقَضاءِ اللَّهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ يَصِحَّ هَذا المَعْنى فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، أمّا المَوْتُ فَنَصِيبُ البَدَنِ. فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ الحَياةُ نَصِيبًا لِلنَّفْسِ والرُّوحِ؛ ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسَ والرُّوحَ، وهو المَطْلُوبُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] ونُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى إثْباتِ أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ بَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَلِمَةُ ”إلى“ تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ فَقَوْلُهُ: ”إلى اللَّهِ“ يُشْعِرُ بِإثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: المَوْلى، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ لَفْظَ المَوْلى، ولَفْظَ الوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ الوَلْيِ: أيِ القُرْبُ، وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ البَعِيدُ الظّاهِرُ الباطِنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وأيْضًا المُعْتِقُ يُسَمّى بِالمَوْلى، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبْدِ فَقالَ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ، (p-١٦)وأيْضًا قالَ: ”مَوْلاهُمُ الحَقِّ“ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفاتِ المَوْلى الحَقِّ.
والِاسْمُ الثّانِي: الحَقُّ، واخْتَلَفُوا هَلْ هو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: الحَقُّ مَصْدَرٌ، وهو نَقِيضُ الباطِلِ، وأسْماءُ المَصادِرِ لا تَجْرِي عَلى الفاعِلِينِ إلّا مَجازًا كَقَوْلِنا فُلانٌ عَدْلٌ ورَجاءٌ وغِياثٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحَقُّ هو المَوْجُودُ، وأحَقُّ الأشْياءِ بِالمَوْجُودِيَّةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ واجِبًا لِذاتِهِ، فَكانَ أحَقَّ الأشْياءِ بِكَوْنِهِ حَقًّا هو هو، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ الحَقَّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٧] وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كُلَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ حَكَمَ لِلسَّعِيدِ بِالسَّعادَةِ والشَّقِيِّ بِالشَّقاوَةِ، وإلّا لَما حَصَلَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ، والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ، إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ حُكْمٌ، وهو أخْذُ الثَّوابِ، وذَلِكَ يُنافِي ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى. قالَ: لَوْ كانَ كَلامُهُ قَدِيمًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِالمُحاسَبَةِ الآنَ وقَبْلَ خَلْقِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَقْتَضِي حِكايَةَ عَمَلٍ تَقَدَّمَ وأصْحابُنا عارَضُوهُ بِالعِلْمِ، فَإنَّهُ تَعالى كانَ قَبْلَ الخَلْقِ عالِمًا بِأنَّهُ سَيُوجَدُ، وبَعْدَ وُجُودِهِ صارَ عالِمًا بِأنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ وُجِدَ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ تَغَيُّرُ العِلْمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الكَلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا الحِسابِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لا يَشْغَلُهُ كَلامٌ عَنْ كَلامٍ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَأْمُرُ المَلائِكَةَ حَتّى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُحاسِبُ واحِدًا مِنَ العِبادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَ الكُفّارَ بِنَفْسِهِ لَتَكَلَّمَ مَعَهم، وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ وأمّا الحُكَماءُ فَلَهم كَلامٌ في تَفْسِيرِ هَذا الحِسابِ، وهو أنَّهُ إنَّما يَتَلَخَّصُ بِتَقْدِيمِ مُقْدِّمَتَيْنِ.
فالمُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها تُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ الثّابِتَةِ، والِاسْتِقْراءُ التّامُّ يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ. ألا تَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ رُسُوخُ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ مِنهُ فِيهِ أقْوى.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهُ لَمّا كانَ تَكَرُّرُ العَمَلِ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، والعُقَلاءُ ضَرَبُوا لِهَذا البابِ أمْثِلَةً:
(p-١٧)المِثالُ الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا سَفِينَةً عَظِيمَةً بِحَيْثُ لَوْ أُلْقِيَ فِيها مِائَةُ ألْفِ مَنٍّ فَإنَّها تَغُوصُ في الماءِ بِقَدْرِ شِبْرٍ واحِدٍ، فَلَوْ لَمْ يُلْقَ فِيها إلّا حَبَّةٌ واحِدَةٌ مِنَ الحِنْطَةِ، فَهَذا القَدْرُ مِن إلْقاءِ الجِسْمِ الثَّقِيلِ في تِلْكَ السَّفِينَةِ يُوجِبُ غَوْصَها في الماءِ بِمِقْدارٍ قَلِيلٍ، وإنْ قَلَّتْ وبَلَغَتْ في القِلَّةِ إلى حَيْثُ لا يُدْرِكُها الحِسُّ ولا يَضْبُطُها الخَيالُ.
المَثّالُ الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ البَسائِطَ أشْكالَها الطَّبِيعِيَّةَ كُراتٌ، فَسَطْحُ الماءِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُرَةً والقِسِيُّ المُشابِهَةُ مِنَ الدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُتَفاوِتَةٌ، فَإنَّ تَحَدُّبَ القَوْسِ الحاصِلَ مِنَ الدّائِرَةِ العُظْمى يَكُونُ أقَلَّ مِن تَحَدُّبِ القَوْسِ المُشابِهَةِ لِلْأُولى مِنَ الدّائِرَةِ الصُّغْرى، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُوزُ إذا مُلِئَ مِنَ الماءِ ووُضِعَ تَحْتَ الجَبَلِ كانَتْ حَدَبَةُ سَطْحِ ذَلِكَ الماءِ أعْظَمَ مِن حَدْبَتِهِ عِنْدَما يُوضَعُ الكُوزُ فَوْقَ الجَبَلِ، ومَتى كانَتِ الحَدَبَةُ أعْظَمَ وأكْثَرَ كانَ احْتِمالُ الماءِ بِالكُوزِ أكْثَرَ، فَهَذا يُوجِبُ أنَّ احْتِمالَ الكُوزِ لِلْماءِ حالَ كَوْنِهِ تَحْتَ الجَبَلِ أكْثَرُ مِنَ احْتِمالِهِ لِلْماءِ حالَ كَوْنِهِ فَوْقَ الجَبَلِ، إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ التَّفاوُتِ بِحَيْثُ لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ والخَيالُ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ القِلَّةِ.
والمَثّالُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقِفُ أحَدُهُما بِالقُرْبِ مِنَ الآخَرِ، فَإنَّ رِجْلَيْهِما يَكُونانِ أقْرَبَ إلى مَرْكَزِ العالَمِ مِن رَأْسَيْهِما؛ لِأنَّ الأجْرامَ الثَّقِيلَةَ تَنْزِلُ مِن فَضاءِ المُحِيطِ إلى ضِيقِ المَرْكَزِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّفاوُتِ لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ والخَيالُ.
فَإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ، وعَرَفْتَ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ فَنَقُولُ: لا فِعْلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِقَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ إلّا ويُفِيدُ حُصُولَ أثَرٍ في النَّفْسِ؛ إمّا في السَّعادَةِ، وإمّا في الشَّقاوَةِ، وعِنْدَ هَذا يَنْكَشِفُ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الأفْعالَ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ، والأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنَ اليَدِ فَهي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ، وكَذَلِكَ الأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنَ الرِّجْلِ، فَلا جَرَمَ تَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الإنْسانِ، بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ، إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ صُدُورُ تِلْكَ الأفْعالِ مِن تِلْكَ الجارِحَةِ المَخْصُوصَةِ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ لِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ المَخْصُوصَةِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ. وأمّا الحِسابُ: فالمَقْصُودُ مِنهُ مَعْرِفَةُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا بَيَّنّا أنَّ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ أثَرًا في حُصُولِ هَيْئَةٍ مِن هَذِهِ الهَيْئاتِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، إمّا مِنَ الهَيْئاتِ الزّاكِيَةِ الطّاهِرَةِ أوْ مِنَ الهَيْئاتِ المَذْمُومَةِ الخَسِيسَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً. فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها يَتَعارَضُ بِالبَعْضِ، وبَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ المُعارَضاتِ بَقِيَ في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ، وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الخُلُقِ الذَّمِيمِ، فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ الخُلُقِ الحَمِيدِ، ومِقْدارُ ذَلِكَ الخُلُقِ الذَّمِيمِ، وذَلِكَ الظُّهُورُ إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ، وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، فَهَذِهِ أقْوالٌ ذُكِرَتْ في تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
{"ayahs_start":61,"ayahs":["وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَیُرۡسِلُ عَلَیۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا یُفَرِّطُونَ","ثُمَّ رُدُّوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَـٰسِبِینَ"],"ayah":"وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَیُرۡسِلُ عَلَیۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا یُفَرِّطُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق