الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي بِأُولَئِكَ الأرْبَعَةِ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ والمُهاجِرِينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ كَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: أنَّهم فُقَراءُ.
وثانِيها: أنَّهم مُهاجِرُونَ.
وثالِثُها: أنَّهم أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، يَعْنِي أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أحْوَجُوهم إلى الخُرُوجِ فَهُمُ الَّذِينَ أخْرَجُوهم.
ورابِعُها: أنَّهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا، والمُرادُ بِالفَضْلِ ثَوابُ الجَنَّةِ، وبِالرِّضْوانِ قَوْلُهُ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم لَمّا هَجَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وتَحَمَّلُوا شَدائِدَها لِأجْلِ الدِّينِ ظَهَرَ صِدْقُهم في دِينِهِمْ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: هَؤُلاءِ الفُقَراءُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كانُوا يَقُولُونَ لِأبِي بَكْرٍ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ الجَزْمُ بِصِحَّةِ إمامَتِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأنْصارَ وأثْنى عَلَيْهِمْ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، إذْ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَهم، فَقالَ:
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
والمُرادُ مِنَ الدّارِ المَدِينَةُ، وهي دارُ الهِجْرَةِ، تَبَوَّأها الأنْصارُ قَبْلَ المُهاجِرِينَ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا المَدِينَةَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ (فَإنْ قِيلَ) في الآيَةِ سُؤالانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ: تَبَوَّأ الإيمانَ.
والثّانِي: بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الأنْصارَ ما تَبَوَّءُوا الإيمانَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.
(والجَوابُ) عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: تَبَوَّءُوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِهِ:
؎ولَقَدْ رَأيْتُكَ في الوَغى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
(p-٢٥٠)وثانِيها: جَعَلُوا الإيمانَ مُسْتَقِرًّا ووَطَنًا لَهم لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ واسْتِقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَما أنَّهم لَمّا سَألُوا سَلْمانَ عَنْ نَسَبِهِ فَقالَ: أنا ابْنُ الإسْلامِ.
وثالِثُها: أنَّهُ سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ فِيها ظَهَرَ الإيمانُ وقَوِيَ.
(والجَوابُ) عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ وقالَ الحَسَنُ: أيْ حَسَدًا وحَرارَةً وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِن دُونِهِمْ، وأطْلَقَ لَفْظَ الحاجَةِ عَلى الحَسَدِ والغَيْظِ والحَرارَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحاجَةِ، فَأطْلَقَ اسْمَ اللّامِ عَلى المَلْزُومِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يُقالُ: آثَرَهُ بِكَذا إذا خَصَّهُ بِهِ، ومَفْعُولُ الإيثارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ويُؤْثِرُونَهم بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْأنْصارِ: إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن دُورِكم وأمْوالِكم وقَسَمْتُ لَكم مِنَ الغَنِيمَةِ كَما قَسَمْتُ لَهم، وإنْ شِئْتُمْ كانَ لَهُمُ الغَنِيمَةُ، ولَكم دِيارُكم وأمْوالُكم، فَقالُوا: لا؛ بَلْ نَقْسِمُ لَهم مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ولا نُشارِكُهم في الغَنِيمَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الإيثارَ لَيْسَ عَنْ غِنًى عَنِ المالِ، ولَكِنَّهُ عَنْ حاجَةٍ وخَصاصَةٍ وهي الفَقْرُ، وأصْلُها مِنَ الخَصاصِ وهي الفُرَجُ، وكُلُّ خَرْقٍ في مُنْخُلٍ أوْ بابٍ أوْ سَحابٍ أوْ بُرْقُعٍ فَهي خَصاصٌ، الواحِدُ خَصاصَةٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مِن إيثارِ الأنْصارِ لِلضَّيْفِ بِالطَّعامِ وتَعَلُّلِهِمْ عَنْهُ حَتّى يُشْبِعَ الضَّيْفَ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الإيثارِ، والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ إيثارِهِمُ المُهاجِرِينَ بِالفَيْءِ، ثُمَّ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ فِيها سائِرُ الإيثارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الشُّحُّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما.
واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ هو أنَّ البُخْلَ نَفْسُ المَنعِ، والشُّحَّ هو الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ المَنعَ، فَلَمّا كانَ الشُّحُّ مِن صِفاتِ النَّفْسِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الظّافِرُونَ بِما أرادُوا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللَّهُ عَنْ أخْذِهِ ولَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِإعْطائِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ.
{"ayah":"وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











