الباحث القرآني

(p-١٩٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . قالَ القاضِي: بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ مُرادَهُ بِإنْزالِ الآياتِ البَيِّناتِ الَّتِي هي القُرْآنُ، وغَيْرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ أنْ يُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى يُرِيدُ مِن بَعْضِهِمُ الثَّباتَ عَلى ظُلُماتِ الكُفْرِ، ويَخْلُقُ ذَلِكَ فِيهِمْ، ويُقَدِّرُهُ لَهم تَقْدِيرًا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لَمْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِن فِعْلِهِ ؟ قُلْنا: لَوْ أرادَ بِهَذا الإخْراجِ خَلْقَ الإيمانِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ﴾ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ سَواءٌ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، فَخَلَقَهُ لِما خَلَقَهُ لا يَتَغَيَّرُ، فالمُرادُ إذَنْ بِذَلِكَ أنَّهُ يَلْطُفُ بِهِمْ في إخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِأنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ أوْلى مِن أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ يُخْرِجُهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى خِسَّتِهِ ورَوْغَتِهِ مَعارَضٌ بِالعِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ قائِمٌ، وعالِمًا بِأنَّ هَذا العِلْمَ يُنافِي وُجُودَ الإيمانِ، فَإذا كَلَّفَهم بِتَكْوِينِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِ بِقِيامِ الضِّدِّ الآخَرِ في الوُجُودِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إزالَتُهُ وإبْطالُهُ، فَهَلْ يُعْقَلُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُرِيدَ بِهِمْ ذَلِكَ الخَيْرَ والإحْسانَ، لا شَكَّ أنَّهُ مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإذا تَوَجَّهَتِ المُعارَضَةُ زالَتْ تِلْكَ القُوَّةُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَطْ، وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ سائِرِ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ المَرْءُ مِن أداءِ التَّكالِيفِ. ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . لَمّا أمَرَ أوَّلًا بِالإيمانِ وبِالإنْفاقِ، ثُمَّ أكَّدَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إيجابَ الإيمانِ أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَأْكِيدِ إيجابِ الإنْفاقِ، والمَعْنى أنَّكم سَتَمُوتُونَ فَتُورَثُونَ، فَهَلّا قَدَّمْتُمُوهُ في الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المالَ لا بُدَّ وأنْ يَخْرُجَ عَنِ اليَدِ، إمّا بِالمَوْتِ وإمّا بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنْ وقَعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، كانَ أثَرُهُ اللَّعْنَ والمَقْتَ والعِقابَ، وإنْ وقَعَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، كانَ أثَرُهُ المَدْحَ والثَّوابَ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن خُرُوجِهِ عَنِ اليَدِ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ خُرُوجَهُ عَنِ اليَدِ بِحَيْثُ يَسْتَعْقِبُ المَدْحَ والثَّوابَ أوْلى مِنهُ بِحَيْثُ يَسْتَعْقِبُ اللَّعْنَ والعِقابَ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْفاقَ فَضِيلَةٌ بَيَّنَ أنَّ المُسابَقَةَ في الإنْفاقِ تَمامُ الفَضِيلَةِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ، ومَن أنْفَقَ مِن بَعْدِ الفَتْحِ، كَما (p-١٩١)قالَ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِوُضُوحِ الحالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذا الفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفَتْحِ في المُتَعارَفِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويَدُلُّ القُرْآنُ عَلى فَتْحٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] وأيُّهُما كانَ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عِظَمَ مَوْقِعِ الإنْفاقِ قَبْلَ الفَتْحِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في فَضْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ؛ لِأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن أنْفَقَ المالَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ عُمَرُ: «كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ أبُو بَكْرٍ وعَلَيْهِ عَباءَةٌ قَدْ خَلَّلَها في صَدْرِهِ بِخِلالٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ما لِي أرى أبا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَباءَةٌ خَلَلَّها في صَدْرِهِ ؟ فَقالَ: أنْفَقَ مالَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الفَتْحِ» . واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن صَدَرَ عَنْهُ الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والقِتالُ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ قَبْلَ الفَتْحِ يَكُونُ أعْظَمَ حالًا مِمَّنْ صَدَرَ عَنْهُ هَذانِ الأمْرانِ بَعْدَ الفَتْحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ صاحِبَ الإنْفاقِ هو أبُو بَكْرٍ، وصاحِبُ القِتالِ هو عَلِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ صاحِبَ الإنْفاقِ في الذِّكْرِ عَلى صاحِبِ القِتالِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى تَقْدِيمِ أبِي بَكْرٍ، ولِأنَّ الإنْفاقَ مِن بابِ الرَّحْمَةِ، والقِتالَ مِن بابِ الغَضَبِ، وقالَ تَعالى: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَكانَ السَّبْقُ لِصاحِبِ الإنْفاقِ، فَإنْ قِيلَ: بَلْ صاحِبُ الإنْفاقِ هو عَلِيٌّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ [الإنسان: ٨] قُلْنا: إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّهُ أنْفَقَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا أنْفَقَ في الوَقائِعِ العَظِيمَةِ أمْوالًا عَظِيمَةً، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ عَلى الإسْلامِ، ولِأنَّ عَلِيًّا في أوَّلِ ظُهُورِ الإسْلامِ كانَ صَبِيًّا صَغِيرًا، ولَمْ يَكُنْ صاحِبَ القِتالِ وأمّا أبُو بَكْرٍ فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُقَدَّمًا، وكانَ يَذُبُّ عَنِ الإسْلامِ حَتّى ضُرِبَ بِسَبَبِهِ ضَرْبًا أشْرَفَ بِهِ عَلى المَوْتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جَعَلَ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةً عَلى فَضْلِ مَن سَبَقَ إلى الإسْلامِ، وأنْفَقَ وجاهَدَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَيَّنُوا الوَجْهَ في ذَلِكَ وهو عِظَمُ مَوْقِعِ نُصْرَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّفْسِ، وإنْفاقِ المالِ في تِلْكَ الحالِ، وفي عَدَدِ المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وفي الكافِرِينَ شَوْكَةٌ وكَثْرَةُ عَدَدٍ، فَكانَتِ الحاجَةُ إلى النُّصْرَةِ والمُعاوَنَةِ أشَدَّ بِخِلافِ ما بَعْدَ الفَتْحِ، فَإنَّ الإسْلامَ صارَ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَوِيًّا، والكُفْرَ ضَعِيفًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَلَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب