الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ﴿فَلَوْلا﴾ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مُكَرَّرَةٌ وهي بِعَيْنِها هي الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ولَها جَوابٌ واحِدٌ، وتَقْدِيرُهُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا (p-١٧٤)بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، أيْ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، وقالَ بَعْضُهم: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] حَيْثُ جَعَلَ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ جَزاءَ شَرْطَيْنِ، والظّاهِرُ خِلافُ ما قالُوا، وهو أنْ يُقالَ: جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ مُدَّةَ حَياتِكم جاعِلِينَ التَّكْذِيبَ رِزْقَكم ومَعاشَكم، فَلَوْلا تُكَذِّبُونَ وقْتَ النَّزْعِ وأنْتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْلَمُونَ الأُمُورَ وتُشاهِدُونَها، وأمّا لَوْلا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُها: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿مَدِينِينَ﴾ أقْوالٌ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ مَمْلُوكِينَ، ومِنهم مَن قالَ: مَجْزِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دانَهُ السُّلْطانُ إذا ساسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ غَيْرُ مُقِيمِينَ مِن مَدَنَ إذا أقامَ، هو حِينَئِذٍ فَعَيْلٌ، ومِنهُ المَدِينَةُ، وجَمْعُها مَدائِنُ، مِن غَيْرِ إظْهارِ الياءِ، ولَوْ كانَتْ مَفْعَلَةً لَكانَ جَمْعُها مَدايِنَ كَمَعايِشَ بِإثْباتِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: كانَ قَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ الدّائِمَ، وقَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ ومَنِ اعْتَرَفَ بِهِ كانَ يُنْكِرُ دَوامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ عَلى ما تَقُولُونَ لا تَبْقَوْنَ في العَذابِ الدّائِمِ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا إنْ لَمْ تَكُنِ الآخِرَةُ دارَ الإقامَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِ: (مَجْزِيِّينَ) فالتَّفْسِيرُ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُ قالَ: سَتُصَدِّقُونَ وقْتَ النَّزْعِ رُسُلَ اللَّهِ في الحَشْرِ، فَإنْ كُنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَجْزِيِّينَ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى دُنْياكم، فَإنَّ التَّعْوِيقَ لِلْجَزاءِ لا غَيْرُ، ولَوْلا الجَزاءُ لَكُنْتُمْ مُخْتارِينَ كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ الجَزاءِ مُخْتارِينَ تَكُونُونَ حَيْثُ تُرِيدُونَ مِنَ الأماكِنِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: مَمْلُوكِينَ مِنَ المِلْكِ، ومِنهُ المَدِينَةُ لِلْمُلُوكَةِ، فالأمْرُ أظْهَرُ بِمَعْنى أنَّكم إذا كُنْتُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ قُدْرَةِ أحَدٍ، فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُشْتَهى أنْفُسِكم ومُنى قُلُوبِكم، وكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ راجِعٌ إلى كَلامٍ واحِدٍ، وأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِ الفَلاسِفَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ دُونَ بَعْضٍ، وكانُوا يَقُولُونَ بِالطَّبائِعِ، وأنَّ الأمْطارَ مِنَ السُّحُبِ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ بِأسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ، والنَّباتُ كَذَلِكَ، والحَيَوانُ كَذَلِكَ، ولا اخْتِيارَ لِلَّهِ في شَيْءٍ وسَواءٌ عَلَيْهِ إنْكارُ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَقالَ تَعالى: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ فَما بالُ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يَدَّعِي العِلْمَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُرْجِعَ النَّفْسَ مِنَ الحُلْقُومِ، مَعَ أنَّ في الطَّبْعِ عِنْدَهُ إمْكانًا لِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَهُمُ البَقاءَ بِالغَداءِ وزَوالَ الأمْراضِ بِالدَّواءِ، وإذا عُلِمَ هَذا فَإنْ قُلْنا: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مَعْناهُ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ رَجَعَ إلى قَوْلِهِمْ مِن إنْكارِ الِاخْتِيارِ وقَلْبِ الأُمُورِ كَما يَشاءُ اللَّهُ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُقِيمِينَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْكارَ الحَشْرِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِالطَّبْعِ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُحاسَبِينَ ومَجْزِيِّينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَوْتَ كائِنٌ والحَشْرَ بَعْدَهُ لازِمٌ، بَيَّنَ ما يَكُونُ بَعْدَ الحَشْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وزاجِرًا لِلْمُتَمَرِّدِ عَنِ العِصْيانِ والكَذِبِ فَقالَ:
{"ayahs_start":86,"ayahs":["فَلَوۡلَاۤ إِن كُنتُمۡ غَیۡرَ مَدِینِینَ","تَرۡجِعُونَهَاۤ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ"],"ayah":"فَلَوۡلَاۤ إِن كُنتُمۡ غَیۡرَ مَدِینِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











