الباحث القرآني

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ تَقْدَحُونَ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ وفي شَجَرَةِ النّارِ وجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها الشَّجَرَةُ الَّتِي تُورِي النّارَ مِنها بِالزَّنْدِ والزَّنْدَةِ كالمَرْخِ. وثانِيها: الشَّجَرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِإيقادِ النّارِ كالحَطَبِ فَإنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يَسْهُلْ إيقادُ النّارِ؛ لَأنَّ النّارَ لا تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما تَتَعَلَّقُ بِالحَطَبِ. وثالِثُها: أُصُولُ شَعْلِها ووَقُودُ شَجَرَتِها ولَوْلا كَوْنُها ذاتَ شَعْلٍ لَما صَلَحَتْ لِإنْضاجِ الأشْياءِ والباقِي ظاهِرٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿تَذْكِرَةً﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَذْكِرَةً لِنارِ القِيامَةِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى وعَذابَهُ إذا رَأى النّارَ المُوقَدَةَ. وثانِيهِما: تَذْكِرَةً بِصِحَّةِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيداعِ النّارِ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيداعِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ في بَدَنِ المَيِّتِ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] والمُقْوِي: هو الَّذِي (p-١٦١)أوْقَدَهُ فَقَوّاهُ وزادَهُ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ كَوْنَها تَذْكِرَةً عَلى كَوْنِها مَتاعًا لِيُعْلَمَ أنَّ الفائِدَةَ الأُخْرَوِيَّةَ أتَمُّ وبِالذِّكْرِ أهَمُّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُكَذِّبِينَ بِالحَشْرِ والوَحْدانِيَّةِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِما بِالخَلْقِ والرِّزْقِ ولَمْ يُفِدْهُمُ الإيمانُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ إنَّ وظِيفَتَكَ أنْ تَكْمُلَ في نَفْسِكَ وهو عِلْمُكَ بِرَبِّكَ وعَمَلُكَ لِرَبِّكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] في مَوْضِعٍ آخَرَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ فَما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحْ بِرَبِّكَ العَظِيمِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هو المَشْهُورُ وهو أنَّ الِاسْمَ مُقْحَمٌ، وعَلى هَذا الجَوابِ فَنَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ زِيادَةُ التَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ مَن عَظَّمَ عَظِيمًا وبالَغَ في تَعْظِيمِهِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ إلّا وعَظَّمَهُ، فَلا يَذْكُرُ اسْمَهُ في مَوْضِعٍ وضِيعٍ ولا عَلى وجْهِ الِاتِّفاقِ كَيْفَما اتَّفَقَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُعَظِّمُ شَخْصًا عِنْدَ حُضُورِهِ رُبَّما لا يُعَظِّمُهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَيَذْكُرُهُ بِاسْمِ عَلَمِهِ، فَإنْ كانَ بِمَحْضَرٍ مِنهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَإذا عَظُمَ عِنْدَهُ لا يَذْكُرُهُ في حُضُورِهِ وغَيْبَتِهِ إلّا بِأوْصافِ العَظَمَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا فَما فائِدَةُ الباءِ وكَيْفَ صارَ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ العَظِيمِ، أوِ الرَّبَّ العَظِيمَ، نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ ظاهِرًا غايَةَ الظُّهُورِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ضَرَبْتُ بِزَيْدٍ بِمَعْنى ضَرَبْتُ زَيْدًا، وإذا كانَ في غايَةِ الخَفاءِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ إلّا بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ذَهَبْتُ زَيْدًا بِمَعْنى ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، وإذا كانَ بَيْنَهُما جازَ الوَجْهانِ فَنَقُولُ: سَبَّحْتُهُ وسَبَّحْتُ بِهِ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا عَلَّقَ التَّسْبِيحَ بِالِاسْمِ وكانَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كانَ التَّسْبِيحُ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وهو الرَّبُّ وكانَ التَّعَلُّقُ خَفِيًّا مِن وجْهٍ فَجازَ إدْخالُ الباءِ، فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ الإسْقاطُ والإثْباتُ فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَهُنا تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ عَلى العَظَمَةِ أنْ يُقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ﴾ غَيْرُ زائِدَةٍ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الأُمُورَ وقالَ: نَحْنُ أمْ أنْتُمْ، فاعْتَرَفَ الكُلُّ بِأنَّ الأُمُورَ مِنَ اللَّهِ، وإذا طُولِبُوا بِالوَحْدانِيَّةِ قالُوا: نَحْنُ لا نُشْرِكُ في المَعْنى وإنَّما نَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً في الِاسْمِ ونُسَمِّيها آلِهَةً، والَّذِي خَلَقَها وخَلَقَ السَّماواتِ هو اللَّهُ فَنَحْنُ نُنَزِّهُهُ في الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وكَما أنَّكَ أيُّها العاقِلُ اعْتَرَفْتَ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الحَقِيقَةِ اعْتَرِفْ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الِاسْمِ، ولا تَقُلْ لِغَيْرِهِ إلَهٌ، فَإنَّ الِاسْمَ يَتْبَعُ المَعْنى والحَقِيقَةَ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لا يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ كَما يَقُولُ الواعِظُ: يا مِسْكِينُ أفْنَيْتَ عُمُرَكَ وما أصْلَحْتَ عَمَلَكَ، ولا يُرِيدُ أحَدًا بِعَيْنِهِ، وتَقْدِيرُهُ يا أيُّها المِسْكِينُ السّامِعُ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِكْرِ رَبِّكَ، أيْ إذا قُلْتَ: وتَوَلَّوْا، فَسَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ اسْمِهِ بَيْنَ قَوْمِكَ واشْتَغِلْ بِالتَّبْلِيغِ، والمَعْنى اذْكُرْهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ وبَيِّنْ وصْفَهُ لَهم وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّكَ مُقْبِلٌ عَلى شُغْلِكَ الَّذِي هو التَّبْلِيغُ، ولَوْ قالَ: فَسَبِّحْ رَبَّكَ، ما أفادَ الذِّكْرَ لَهم، وكانَ يُنْبِئُ عَنِ التَّسْبِيحِ بِالقَلْبِ، ولَمّا قالَ: فَسَبِّحْ باسْمِ رَبِّكَ، والِاسْمُ هو الَّذِي يُذْكَرُ لَفْظًا، دَلَّ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذِّكْرِ اللِّسانِيِّ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَسَبِّحْ مُبْتَدِئًا بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ فَلا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ يُسَبَّحُ رَبُّنا؟ نَقُولُ: إمّا مَعْنًى، فَبِأنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ وقادِرٌ (p-١٦٢)بَرِيءٌ عَنِ العَجْزِ فَلا يَعْجِزُ عَنِ الحَشْرِ، وإمّا لَفْظًا فَبِأنْ يُقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، وسُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مِنَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ والعَجْزِ فَإنَّكَ إذا سَبَّحْتَهُ واعْتَقَدْتَ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ في حَقِيقَتِهِ، لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا؛ لِأنَّ الجِسْمَ فِيهِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ وهو واحِدٌ حَقِيقِيٌّ لا كَثْرَةَ لِذاتِهِ، ولا يَكُونُ عَرَضًا ولا في مَكانٍ، وكُلُّ ما لا يَجُوزُ لَهُ يَنْتَفِي عَنْهُ بِالتَّوْحِيدِ ولا يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، ولا في شَيْءٍ، ولا عَنْ شَيْءٍ، وإذا قُلْتَ: هو قادِرٌ ثَبَتَ لَهُ العِلْمُ والإرادَةُ والحَياةُ وغَيْرُها مِنَ الصِّفاتِ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ وبَيْنَ الأعْلى، وهَلْ في ذِكْرِ ﴿العَظِيمِ﴾ هُنا بَدَلَ ﴿الأعْلى﴾ وذِكْرِ ﴿الأعْلى﴾ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بَدَلَ العَظِيمِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: أمّا الفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ والأعْلى فَهو أنَّ العَظِيمَ يَدُلُّ عَلى القُرْبِ، والأعْلى يَدُلُّ عَلى البُعْدِ، بَيانُهُ هو أنَّ ما عَظُمَ مِنَ الأشْياءِ المُدْرَكَةِ بِالحِسِّ قَرِيبٌ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَعُدَ عَنْهُ لَخَلا عَنْهُ مَوْضِعُهُ، فَلَوْ كانَ فِيهِ أجْزاءٌ أُخَرُ لَكانَ أعْظَمَ مِمّا هو عَلَيْهِ فالعَظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ هو الَّذِي يَقْرُبُ مِنَ الكُلِّ، وأمّا الصَّغِيرُ إذا قَرُبَ مِن جِهَةٍ فَقَدْ بَعُدَ عَنْ أُخْرى، وأمّا العَلِيُّ فَهو البَعِيدُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ ما قَرُبَ مِن شَيْءٍ مِن جِهَةِ فَوْقُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنهُ وكانَ أعْلى، فالعَلِيُّ المُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي في غايَةِ البُعْدِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالأشْياءُ المُدْرِكَةُ تُسَبِّحُ اللَّهَ، وإذا عَلِمْنا مِنَ اللَّهِ مَعْنًى سَلْبِيًّا، فَصَحَّ أنْ نَقُولَ: هو أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ إدْراكُنا، وإذا عَلِمْنا مِنهُ وصْفًا ثُبُوتِيًّا مِن عِلْمٍ وقُدْرَةٍ يُزِيدُ تَعْظِيمَهُ أكْثَرَ مِمّا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُنا، فَنَقُولُ: هو أعْظَمُ وأعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُنا، وقَوْلُنا: أعْظَمُ مَعْناهُ عَظِيمٌ لا عَظِيمَ مِثْلُهُ، فَفِيهِ مَفْهُومٌ سَلْبِيٌّ ومَفْهُومٌ ثُبُوتِيٌّ، وقَوْلُهُ: أعْلى، مَعْناهُ هو عَلِيٌّ ولا عَلِيَّ مِثْلُهُ، والعَلِيُّ إشارَةٌ إلى مَفْهُومٍ سَلْبِيٍّ والأعْلى مِثْلُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، فالأعْلى مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ لَفْظًا ومَعْنًى، والأعْظَمُ مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ لَفْظًا، وفِيهِ مَعْنًى سَلْبِيٌّ، وكَأنَّ الأصْلَ في العَظِيمِ مَفْهُومٌ ثُبُوتِيٌّ لا سَلْبَ فِيهِ فالأعْلى أحْسَنُ اسْتِعْمالًا مِنَ الأعْظَمِ، هَذا هو الفَرْقُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب