الباحث القرآني

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ . والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب