الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ .
أوانِي الخَمْرِ تَكُونُ في المَجالِسِ، وفي الكُوبِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن جِنْسِ الأقْداحِ وهو قَدَحٌ كَبِيرٌ.
وثانِيهِما: مِن جِنْسِ الكِيزانِ ولا عُرْوَةَ لَهُ ولا خُرْطُومَ والإبْرِيقُ لَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفَرْقُ بَيْنَ الأكْوابِ والأبارِيقِ والكَأْسِ حَيْثُ ذَكَرَ الأكْوابَ والأبارِيقَ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، والكَأْسَ بِلَفْظِ الواحِدِ، ولَمْ يَقُلْ: وكُئُوسٍ ؟ نَقُولُ: هو عَلى عادَةِ العَرَبِ في الشُّرْبِ يَكُونُ عِنْدَهم أوانٍ كَثِيرَةٌ فِيها الخَمْرُ مُعَدَّةٌ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَهم، وأمّا الكَأْسُ فَهو القَدَحُ الَّذِي يُشْرَبُ بِهِ الخَمْرُ إذا كانَ فِيهِ الخَمْرُ ولا يَشْرَبُ واحِدٌ في زَمانٍ واحِدٍ إلّا مِن كَأْسٍ واحِدٍ، وأمّا أوانِي الخَمْرِ المَمْلُوءَةُ مِنها في زَمانٍ واحِدٍ فَتُوجَدُ كَثِيرًا، فَإنْ قِيلَ: الطَّوافُ بِالكَأْسِ عَلى عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا وأمّا الطَّوافُ بِالأكْوابِ والأبارِيقِ فَغَيْرُ مُعْتادٍ فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: عَدَمُ الطَّوافِ بِها في الدُّنْيا لِدَفْعِ المَشَقَّةِ عَنِ الطّائِفِ لِثِقَلِها، وإلّا فَهي مُحْتاجٌ إلَيْها بِدَلِيلِ أنَّهُ عِنْدَ الفَراغِ يَرْجِعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي هو فِيهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فالآنِيَةُ تَدُورُ بِنَفْسِها والوَلِيدُ مَعَها إكْرامًا لا لِلْحَمْلِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ، وهو أنَّ الكَأْسَ إناءٌ فِيهِ شَرابٌ فَيَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ المَشْرُوبُ، والإبْرِيقُ آنِيَةٌ لا يُشْتَرَطُ في (p-١٣٢)إطْلاقِ اسْمِ الإبْرِيقِ عَلَيْها أنْ يَكُونَ فِيها شَرابٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الإناءُ المَمْلُوءُ الِاعْتِبارُ لِما فِيهِ لا لِلْإناءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فاعْتِبارُ الكَأْسِ بِما فِيهِ لَكِنْ فِيهِ مَشْرُوبٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو المُعْتَبَرُ، والجِنْسُ لا يُجْمَعُ إلّا عِنْدَ تَنَوُّعِهِ فَلا يُقالُ لِلْأرْغِفَةِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ: أخْبازٌ، وإنَّما يُقالُ: أخْبازٌ عِنْدَما يَكُونُ بَعْضُها أسْوَدَ وبَعْضُها أبْيَضَ، وكَذَلِكَ اللُّحُومُ يُقالُ عِنْدَ تَنَوُّعِ الحَيَواناتِ الَّتِي مِنها اللُّحُومُ ولا يُقالُ لِلْقِطْعَتَيْنِ مِنَ اللَّحْمِ: لَحْمانِ، وأمّا الأشْياءُ المُصَنَّفَةُ فَتُجْمَعُ، فالأقْداحُ وإنْ كانَتْ كَبِيرَةً لَكِنَّها لَمّا مُلِئَتْ خَمْرًا مِن جِنْسٍ واحِدٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ لَها: خُمُورٌ، فَلَمْ يَقُلْ: كُئُوسٌ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلظُّرُوفِ؛ لِأنَّ الكَأْسَ مِن حَيْثُ إنَّها شَرابٌ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لا يُجْمَعُ واحِدٌ فَيُتْرَكُ الجَمْعُ تَرْجِيحًا لِجانِبِ المَظْرُوفِ بِخِلافِ الإبْرِيقِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ فِيهِ الإناءُ فَحَسْبُ، وعَلى هَذا يَتَبَيَّنُ بَلاغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ لَفْظُ الكُئُوسِ إذْ كانَ ما فِيها نَوْعٌ واحِدٌ مِنَ الخَمْرِ، وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ في اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْخِيرِ الكَأْسِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَكَذَلِكَ في تَقْدِيمِ الأكْوابِ إذا كانَ الكُوبُ مِنهُ يُصَبُّ الشَّرابُ في الإبْرِيقِ ومِنَ الإبْرِيقِ الكَأْسُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ بَيانُ ما في الكَأْسِ أوْ بَيانُ ما في الأكْوابِ والأبارِيقِ، نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مِن مَعِينٍ والأوَّلُ أظْهَرُ بِالوَضْعِ، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وكَأْسٍ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ومَشْرُوبٍ، وكَأنَّ السّامِعَ مُحْتاجًا إلى مَعْرِفَةِ المَشْرُوبِ، وأمّا الإبْرِيقُ فَدَلالَتُهُ عَلى المَشْرُوبِ لَيْسَ بِالوَضْعِ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ كَوْنَ الكُلِّ مَلْآنًا هو الحَقُّ، ولِأنَّ الطَّوافَ بِالفارِغِ لا يَلِيقُ فَكانَ الظّاهِرُ بَيانَ ما في الكُلِّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ الأوَّلَ هو أنَّهُ تَعالى عِنْدَ ذِكْرِ الأوانِي ذَكَرَ جِنْسَها لا نَوْعَ ما فِيها فَقالَ تَعالى: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] الآيَةَ، وعِنْدَ ذِكْرِ الكَأْسِ بَيَّنَ ما فِيها فَقالَ: ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الطَّوافَ بِالأبارِيقِ، وإنْ كانَتْ فارِغَةً، لِلزِّينَةِ والتَّجَمُّلِ وفي الآخِرَةِ تَكُونُ لِلْإكْرامِ والتَّنَعُّمِ لا غَيْرُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى المَعِينِ ؟ قُلْنا: ذَكَرْنا في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّهُ فَعِيلٌ أوْ مَفْعُولٌ ومَضى فِيهِ خِلافٌ، فَإنْ قُلْنا: فَعِيلٌ فَهو مِن مَعِينِ الماءِ إذا جَرى، وإنْ قُلْنا: مَفْعُولٌ فَهو مِن عانَهُ إذا شَخَّصَهُ بِعَيْنِهِ ومَيَّزَهُ، والأوَّلُ أصَحُّ وأظْهَرُ؛ لِأنَّ المَعْيُونَ يُوهِمُ بِأنَّهُ مَعْيُوبٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: عانَنِي فُلانٌ مَعْناهُ ضَرَّنِي إذا أصابَتْنِي عَيْنُهُ، ولِأنَّ الوَصْفَ بِالمَفْعُولِ لا فائِدَةَ فِيهِ، وأمّا الجَرَيانُ في المَشْرُوبِ فَهو إنْ كانَ في الماءِ فَهو صِفَةُ مَدْحٍ وإنْ كانَ في غَيْرِهِ فَهو أمْرٌ عَجِيبٌ لا يُوجَدُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥] .
{"ayah":"بِأَكۡوَابࣲ وَأَبَارِیقَ وَكَأۡسࣲ مِّن مَّعِینࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











